الإرادة

الأمهات الثكالى في عيدهن: دموع دون طائفة ووجع عابر للتصنيفات

مادلين جليس

“كلكم أولادي”، بهذه العبارة خاطبت زريقة سباهية، أم أيمن، من جاؤوها من الأمن العام في سوريا معزين بوفاة ولديها اللذين قُتلا أمام عينيها. وعلى الرغم من مصابها الأليم، إلا أن سباهية بقيت صامدة تخاطب الجميع وكأنهم أولادها الذين رحلوا دون كلمة وداع واحدة. 

وإذا كنا اليوم نروي قصة أم أيمن، فإن التاريخ السوري منذ اندلاع الثورة السورية وحتى اليوم يوثق آلاف القصص لأمهات بكين أبناءهن وفقدن أحبابهن: أمهات الشهداء، والمعتقلين، والمفقودين، والمغيبين. خنساء سوريا، حسنة الحريري، التي قدمت ثمانية من أولادها خلال الثورة السورية. السيدة فدوى محمود، الأم المؤسسة لرابطة عائلات قيصر، المعتقلة السابقة، والتي ما تزال تنتظر معرفة مصير ابنها وزوجها عبد العزيز الخير. غادة العبار، والدة الشهيد غياث مطر والمغيبين أنس وحازم. مريم الحلاق، والدة الشهيد أيهم غزول، وآلاف غيرهن ممن قبضن على جمر الصبر والقهر والحزن. يحق لهن أن نقول لهن اليوم: السوريون جميعاً أولادكن.

عيد الأم ما زال يمر حزينًا في سوريا، خاصة على الأمهات الثكالى. كما يقال: “الأم وحدها لا تنسى”. كثير من الذكريات والحنين لأبناء خرجوا ولم يعودوا، ولشباب دفنوا باكرًا قبل أن يتلمسوا أحلامهم، ولرجال تشوهت وجوههم، وبقوا يحملون وجه الأطفال في قلوب أمهاتهم.

الدماء التي لم تنتهِ 

لم يكن لديه خيار ثانٍ، فالتحق بصفوف الثورة منذ اللحظة الأولى، وهتف فوق الأكتاف بإسقاط النظام، لكنه سقط قتيلاً مع ثالث مظاهرة شارك فيها. ترتجف يدا أم عمر وهي تروي قصة ابنها البكر، عمر الديراني كما لقبّه زملاؤه ورفاق الثورة الأوائل.  “جاؤوني به محمّلاً على الأكتاف، كما لو أنه لا يزال يردد الشعارات بين المتظاهرين”. 

لم أدرِ حينها ما أفعل، وماذا أقول، دعوت ربي أن يكون الدم الأخير الذي يُراق لأجل الوطن، لكنني لم أعلم أن سيلاً من الدماء سيتفجر بعدها ليحصد مئات الآلاف من الشبان والرجال، وسيختار ولدي الثاني أحمد الذي قُتل برصاصة طائشة في احتفالات سقوط الأسد. 

الصورة التي لا تمحى 

تعرف منيرة المسالمة أن كثيرًا من الأحفاد سيأتون إلى منزلها اليوم ويملؤونه بضجيجهم وضحكاتهم، لكنها لا تملك إلا أن تشعر بالغصة تنمو حتى تكاد تبتلع أنفاسها. 

صورة واحدة تعشش في مخيلتها منذ سبع سنين عندما تعرفت على وجه ابنها عبد الكريم بين صور قيصر. 

وجهه الضعيف المنكسر أصبح يغطي كل الوجوه، وذلك الألم الصارخ الذي سمعته يومها من جثته التي لا تعرف قبرها حتى الآن، أصبح منذ تلك اللحظة، أعلى من كل الأصوات. 

الأمل حتى لو كان خيطًا 

منذ ثلاثة أشهر تراجعت صحة أم أسامة حتى لم تعد تستطيع الحركة. حصار المعضمية، والانتقال إلى بلدة في الغوطة، ومن ثم التهجير إلى إدلب، وسفر اثنين من بناتها إلى ألمانيا مع عائلاتهما، ومقتل زوجها. كل ذلك استطاعت حمله كالجبل. لكن في الأيام التي تلت سقوط النظام، انقطع خيط الأمل الذي منحها القوة، أن يكون محمود على قيد الحياة. محمود الذي اعتُقل في 2014 على حاجز. 

فخلال الأسابيع الأولى، عرفت الأم أن ابنها لن يخرج من أبواب السجن، ويركض إليها ليقبل يديها فيما هي تنتظره مع إخوته ومعها ثياب جديدة وسندويشة الشاورما التي يحبها. هذا المشهد الذي رسمته في مخيلتها آلاف المرات وأعادت بناء تفاصيله مرة بعد مرة، انهار للأبد. 

ألم يتجدد مع كل قطرة دم 

لا تزال بدرية عثمان تبكي ابنها حتى هذه اللحظة. بكته حتى تراجع بصرها، وأصبحت لا تميز بين الوجوه. 

تصف بدرية ابنها سمير بالشاب الذي أصبح رجلاً قبل أوانه. كان يخدم في الجيش عندما عاد إليها بنصف جسد، بعد تفجّر العربة التي كانت تقلّه وزملاءه إلى مكان خدمته. 

“مع كل خبر استشهاد شخص جديد، تعود إلى ذاكرتي صورة سمير، ويعود إلى قلبي الحزن ذاته الذي سكن قلبي لحظة دفنه”. 

تتابع بدرية: لا أبكي سميراً وحده، بل أبكي كل شاب خسر حياته على أرض سوريا، أبكي الأمهات اللواتي يتفطّرن حزنًا على أولادهن، وأبكي الأطفال اليتامى الذين حُرموا من سند لا يُعوَّض بكل كنوز الدنيا. 

الموت لا انتماء له 

مع اندلاع الثورة قُدِّر عدد ضحايا النظام بحوالي أكثر من 528,500 شخص، قُتلوا خلال النزاع الذي استمر 13 عاماً في سوريا، وذلك بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وبحسب المصدر ذاته، فإن أكثر من ألفي شخص لقوا حتفهم أيضًا منذ سقوط النظام، أكثر من نصفهم في مجازر الساحل الأخيرة.

كحصيلة أولية، فإن أكثر من 500 ألف عين بكت حتى كادت تفقد بصرها، وأكثر من 500 ألف يد ارتفعت إلى السماء راجية الله أن يهوّن عليها فقدها. 

نصف مليون أم ثكلى حزينة. مشاعرها لا توزن بطائفتها أو دينها أو إن كانت تسكن في السهل أو الجبل أو الساحل، في الريف أو المدينة. ربما الميزان الوحيد الذي يجبر خاطرها هو العدل للضحايا والكشف عن مصير المفقودين. إليهن في هذا اليوم: الرحمة لقلوبكن والعدل لأولادكن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *