منصة إرادة- مادلين جليس
حين ألخص حياتي، أستطيع أن أقول إن شبحًا أسود كان يمشي باتجاهي رويدًا رويدًا. وكلما اقترب أكثر، حرمني الرؤية أكثر، حتى غطى على عيني ولم أعد أرى سوى سواده فيهما.
اسمي ممدوح ديبو، وهذه حكايتي… حكاية التصفيق الذي أزال عني صفة الكفيف.
في إحدى قرى محافظة طرطوس، وبين سبعة إخوة، كنت أنمو وأكبر. كنت مختلفًا عن السبعة الباقين، فعَيناي كانتا أضعف من عيونهم، لكن قلبي كان يجاري قلوبهم، وروحي كانت جنبًا إلى جنب مع أرواحهم. وعلى الرغم من عنادي الذي وُصفت به كثيرًا، إلا أنني كنت اجتماعيًا بحكم البيئة التي رُبيت فيها وتنقل والدي بين الفرات ولبنان وطرطوس، بسبب طبيعة عمله.
ملخص المحتوى:
كبرت في قرية صغيرة بريف طرطوس بين سبعة إخوة، لكنني كنت مختلفًا عنهم… عيناي كانتا أضعف، لكن قلبي وروحي كانا يجاريانهم في كل شيء. في طفولتي، لم يكن عنادي سوى إرادة صلبة أقاوم بها قيود نظرة المجتمع، تلك النظرة التي تراوحت بين الشفقة والتقليل من شأني. في المدرسة، كنت أتعثر في القراءة والكتابة، وأتلقى كلمات جارحة من بعض المعلمين: "لماذا تدرسونه؟ لا مستقبل لكفيف". لكن أمي، بحكمتها وهدوئها، كانت تسندني بكلمات تشعل في داخلي الأمل، ومعلمة واحدة غيّرت مسار حياتي حين طلبت من الصف التصفيق لي بعد نجاحي في اختبار مفاجئ. تلك اللحظة صنعت ممدوح آخر… ممدوح المتفوق. فقدت بصري تمامًا مع نهاية الثانوية، لكنني احتفظت في ذاكرتي بصور أهلي وبيتي وأشيائي المفضلة، كأنها كنوز أستحضرها كلما اشتقت. ومع البصر الذي غاب، جاء سمعٌ أقوى، وحسٌّ أعمق بما حولي. رغم النصائح بالتخلي عن الدراسة وفتح بقالية صغيرة، قررت أن أسبق اسمي بلقب أكاديمي، حتى أصبحت "الأستاذ ممدوح" موجّه اللغة العربية، لا "ممدوح الكفيف". وراء هذا النجاح كان والداي، اللذان زرعا في قلبي حب التعليم ودفعاني إلى الأمام، مهما كان الطريق صعبًا.
مثابرة... وليس عنادًا
حين أتذكر هذا العناد الطفولي، أرجعه إلى ردة فعل نفسية ناتجة عن وضعي الصحي، خاصة مع العاطفة الجياشة التي كنت أُحاصَر بها من قبل والديّ للسبب نفسه، الأمر الذي جعلني أشعر بالضيق والقيد بسبب تلك العاطفة.
ومع كل ذلك، فقد كنت كإخوتي في كل شيء، أتعلم مثلهم، ألعب وأركض وأرافقهم في جولات اللعب الصبيانية، أُعاقَب وأُثاب مثلهم أيضًا، الأمر الذي جعلني أبحث عن نقطة تفوق أبرز فيها بينهم.
لم تكن دراستي بتلك السهولة التي مرّ بها إخوتي. ففي المرحلة الابتدائية، كانت الصعوبة بسيطة، تعثّر بسيط في القراءة، صعوبة في الكتابة، وقليل من التعلم، وكثير من الصور للأشياء من حولي.
لم تُوَفَّر لي ظروف الدراسة المثالية التي يحتاجها كل كفيف، خاصة وأن مدرسِيَّ ومدرساتي لم يكونوا أكاديميين في ذلك الوقت. كان أغلبهم مُكلّفين، لذلك فقد شعرت بظلم الاختلاف عن الآخرين.
كما أن وجهات النظر المتباينة أثّرت فيّ كثيرًا؛ فمنهم من وجد في هذا الكفيف طفلًا يحتاج إلى شفقة وعطف، ومنهم من رآه تلميذًا كغيره من التلاميذ، لا يُقَصِّر عنهم ولا يزيد. وهذا الأمر أثّر في دراستي ومستواي الدراسي.
زاد الأمر سوءًا ما كنت أسمعه من كلام المدرسين والمدرسات عند سؤال والدتي عني: “لماذا تُدرّسونه؟ ماذا تنتظرون من كفيف؟ لِمَ تُضيّعون وقتكم وأموالكم وجهدكم مع شخص لا مستقبل له؟”، وغيرها من كلمات كانت تقع كالسكاكين في قلبي، وتغرس فيه لتؤلمه أكثر فأكثر حتى شعرت أن الطريق إلى المدرسة هو الطريق نحو الجحيم.
على الضفة الأخرى للقلب، كانت أمي تستمع إلى كل هذه الكلمات بكل ثبات وهدوء. وما إن تعود إلى المنزل، حتى تنهال عليّ بكلمات التشجيع التي تجعلني أستيقظ من إحباط كاد يقتل الأمل فيّ.
لكنني مع ذلك لا أنكر وجود مدرسين كانوا على العكس تمامًا من زملائهم. ولعل التفوق الدراسي الذي وصلت إليه لاحقًا يعود في جزئه الأكبر إلى إحدى المعلمات التي أيقظت فيّ إحساس التفوق وجعلتني أشعر به، عن قصد أو غير قصد، حين جعلت الطلاب يصفقون لي بحرارة وشجعتني كثيرًا بعد اختبار مفاجئ أجرته لنا في الصف. أجبت فيه عن الأسئلة إجابات صائبة دون تحضير أو دراسة مسبقة، الأمر الذي جعلها ترفع يديها مصفقةً، طالبةً من الجميع التصفيق لي.
لا أنسى تلك اللحظة ما حييت، فقد ارتفع عندي شعور بالفخر، شعور غامر بالفرح الغريب؛ فرح جديد على قلبي، أيقظ في ممدوح المتفوق الناجح… الأستاذ.
منذ تلك اللحظة، أخذت على نفسي عهدًا أن أسعى أكثر نحو التفوق، لأكون على قدر ثقة تلك المعلمة إن كان ما فعلته نابعًا عن تشجيع، ولأزيل عني الشفقة والعطف المجتمعي إن كان تصرفها نابعًا من عطف ورثاء لحال هذا الصبي نصف الكفيف.
“العناد العناد”، لا أذكر متى سمعت هذه الكلمة أول مرة، لكنني أعرف وأذكر أنني سمعتها كثيرًا من أهلي وإخوتي ومعلميّ وزملائي في المدرسة، سمعتها من كل الذين حولي حتى رسخ في ذهني أنني فتى عنيد. إلا أنني اليوم أشعر بفداحة خطأ المصطلحات، وخطأ التعبير الذي جعلني أشك في إرادتي ومثابرتي وأسميها عنادًا تَشَبُّهًا بالتسمية السائدة.
إرادتي وليس عنادي، ثقتي بنفسي، مثابرتي وليس عنادي، هم من كانوا سببًا لنجاحي ولوصولي إلى ما أنا عليه اليوم.
والأهم من ذلك كله إيماني بأن تعليمي سيكون الخلاص لي من كل ما أمرّ وما سأمرّ به في حياتي اللاحقة.
البصر... نعمة غير مرئية
لم تكن حياتي بعيدة عن الإشارات والهمسات، فلا خصوصية لحالتي في ذلك، فكل مختلف في هذا المجتمع هو عرضة للغمز واللمز، عدا عن السخرية والتنمر الذي يتعرض له كثيرون. ورغم أنني لم أتعرض له في حياتي، إلا أنه كان يتناهى إلى سمعي بين حين وآخر صفة “أعمى” التي كان يطلقها أشخاص أَمُرُّ بقربهم، أو يمرون من أمامي: “لا يرى، أعمى، يا حرام”.
لم أتوقف يومًا للرد على أحد، لكنني كنت أرد في قلبي وأسأل هؤلاء الذين يقولون عني ذلك: ماذا يفعلون في حياتهم؟ أنا أمارس عملي، أُعلّم طلابًا، وستظهر نتائج عملي في علاماتهم وتفوقهم. أما أنتم فماذا تقدمون لمجتمعكم؟ ما الذي قدمه وقوفكم في الشوارع وإطلاق الألقاب والصفات على هذا وذاك؟
كثيرًا ما فكرت في الأشخاص الذين يقرؤون دون الحاجة لتكبير الكلمات، ودون الحاجة لمن يقرأ أو يكتب لهم. كثيرًا ما تمنيت لو أنني أرى ككل الناس، كثيرًا ما بحثت عن شخص يقرأ لي محاضراتي في الجامعة، كثيرًا ما أحرجت نفسي من الطلب من الناس، حتى أنني صرت أختار من لم يحمل شهادة أكاديمية، أي شخص قادر على “فكّ الحروف” كما يقال بالعامية، المهم أن يقرأ لي، والمهم أيضًا ألا أدفع أموالًا كثيرة في سبيل ذلك خاصة مع وضعي المادي المتراجع الذي أجبرني في مرات كثيرة على الاستدانة لتسديد الرسوم الجامعية.
لكن معاناتي الكبرى كانت في تقديم المواد الدراسية سواء في المدرسة أو في الجامعة، فبوصفي حالة فردية، كنت الكفيف الوحيد في منطقتي، ولذلك فقد تأثر تحصيلي العلمي بشكل كبير عندما ذهبت لأتقدم للثانوية العامة وأنا جاهل تمامًا لطريقة التقديم في المركز الصحي، فقد تلبّكت وارتبكت وتوترت كثيرًا.
الأهل... شرارة النجاح الأولى
لازلت أذكر حتى الآن نصائح الكثيرين التي أملت عليّ أن أترك الدراسة وأتوقف عن طلب العلم بسبب سوء وضعي الصحي، وأن ألتفت لبقالة صغيرة أجني منها قوت يومي أفضل من الركض وراء العلم دون نتيجة. أتخيل لو أنني لم أمشِ وراء طموحي، لو أنني استمعت لكلمات الناس، لكنت رجلًا آخر، أخاف على خضراواتي أن يفسدها لهيب الصيف. لكنني كنت أضع هدفًا كبيرًا أمام عينيّ، كنت أسعى لأسبق اسمي بصفة أكاديمية: أستاذ أو دكتور أو ما شابه، وهذا ما تحقق فعلًا وصرت الأستاذ ممدوح مُوَجِّه اللغة العربية، لا ممدوح الكفيف.
وعلى الرغم من افتخاري الكبير بإرادتي ومثابرتي، إلا أنني لا أنكر أن بذور هذا النجاح كانت والديّ اللذين غرسا فيّ حب التعليم، ودفعاني دومًا للأمام.
كما ذكرت سابقًا، فقد اتصفت أمي بالهدوء لدى سماعها أجوبة المدرسين وتساؤلاتهم المستفزة عن جدوى تعليمي، لكن هذا الهدوء كان يخفي حكمة بالغة، كانت تضع يدها على كتفي وتربت بدفء إلهي: “أنت الوحيد القادر على تغيير تلك الكلمات، أنت الوحيد القادر على تغيير قدرك”.
أما والدي رحمه الله فقد عبّر كثيرًا عن سعادته بإقبالي على التعليم، وحرص كثيرًا على تشجيعي ودعمي بشتى السبل، وعلى الرغم من معرفته أن الدراسة تسبب لعيني الإجهاد إلا أنه غلّب عقله على قلبه، وشجعني على بلوغ أهدافي في الحياة. لدرجة أنه كثيرًا ما رافقني للجامعات، وفي رحلة البحث عن عمل، على الرغم من إصراري كثيرًا وتَنَصُّلِي أكثر في محاولة مني لئلا أُسبّب له تعبًا وجهدًا كبيرين. كان سندًا حقيقيًا، لم يدخر فرصة لدعمي إلا ووفرها لي.
النظرات الأخيرة... الخالدة
أجمل ما في حياتي أنني لم أولد كفيفًا، فقد ولدت بحالة ارتعاش عصبي “رأرأة”، ولذلك فقد كنت أرى بشكل بسيط في المرحلة الابتدائية، وابتدأ بصري بالتراجع رويدًا رويدًا حتى فقدته تمامًا مع انتهاء المرحلة الثانوية. الجميل في ذلك أن عيناي التقطت بعض الأشياء، وعرفت أشكالًا وأحجامًا للأشياء. ولذلك، ففي حالتي اليوم أستطيع تخيل شكل التفاحة، أتخيل شكل طريق منزلنا، شكل أمي وأبي وإخوتي. هذه الصور التي أحمد الله الذي منحني فرصة أن أخزنها في عقلي قبل أن أفقد القدرة على رؤيتهم مرة أخرى.
بعد فقداني للبصر كليًا، بدأت أحس بكثافة الأشياء من حولي. حين أمر من أمام أحد أشعر بكثافته، كما أن أذني باتت أقوى؛ فكلما نقص بصري كان سمعي يقوى أكثر فأكثر.
كثيرًا ما سمعت أن الله يأخذ شيئًا ليعطي بدلًا منه أشياء، لكنني اختبرت هذا الكلام بعد فقداني لبصري، فقد ازداد سمعي بشكل كبير، بدأت أحس بحركة الهواء من حولي، باقتراب الناس أو ابتعادهم من الكثافة كما قلت سابقًا أو من حركة الهواء حولي.
رسالتي إلى كل الناس عمومًا، ولذوي الإعاقة خصوصًا، أن يؤمن كل فرد بما لديه من إمكانات وطاقة مهما كانت صغيرة، وليتأكد الجميع أنه لا جهود ضائعة. كل جهد وكل فعل تُقدّمه في هذه الحياة سينعكس حتمًا، إما بالنجاح لك أو بالفائدة للمجتمع وللناس من حولك.
العثرات والعقبات موجودة طبعًا، لكنها لا تُعيقنا عن تحقيق أهدافنا، بل هي دروس نتعلم منها، لنصل إلى القمة، بكل ثقة وإرادة.
أمنيتي لهذا البلد الحبيب أن يعمه الخير والسلام والمحبة، وأن يسعى أبناؤه على اختلاف مناطقهم ومذاهبهم لتقدمه وازدهاره، وأن تتساوى الحقوق والواجبات وتتحقق العدالة لكل المواطنين.
أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ
