شيماء شريف
اسمي محمود الجاسم، عمري 27 عاماً، متزوج وأب لأربعة أطفال. النظام هجّرني من بيتي منذ عشر سنين، وبعد سقوطه فقدت قدمي بانفجار لَغَم زرعه جنوده خلال سنوات الحرب. وبينما كان الجميع يحتفل بسقوط النظام، كنت أنا أزحف على لحمي الحيّ بين محافظتي الحسكة ودير الزور في رحلة العلاج الصعب والبحث عن مسكن لألم لا يهدأ.
منذ تهجّرنا أنا وأهلي من بيتنا عام 2012، أعيش في قرية الجنينة الواقعة على كتف نهر الفرات، في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية. تفصل بين مكان سكني الحالي ومنزلنا القديم مسافة قصيرة، لكنني لم أستطع الذهاب إلى بيتي أو تفقده ولو لمرة واحدة، لأن قوات النظام كانت هناك. كل ما كان بإمكاني فعله هو النظر إليه من بعيد. كان خبر سقوط النظام أجمل خبر سمعته في حياتي، أجمل حتى من خبر ولادة ابني البكر، رامي. فكرتُ حينها بأنني أخيرًا سأعود إلى بيتي ومدينتي وإلى الناس الذين أحب. ومع كل مشاعر الشوق هذه، بقيت عشرة أيام في القرية لأنهي بعض الأمور وأتجهز للعودة النهائية إلى بيتي.

في اليوم الذي أُصبتُ فيه، كنتُ أنوي اصطحاب أطفالي لرؤية بيت جدهم لأول مرة وتفقّده من الداخل، لكنني في اللحظة الأخيرة تراجعت، وفضّلت أن أذهب مع أصدقائي، على أن يرافقني الصغار في الزيارة القادمة. الحمد لله الذي هداني لهذا القرار، وإلا لكانت العواقب وخيمة. يمكنني أن أتحمل إصابتي، لكن إصابة أحد أطفالي أمر لا أستطيع حتى مجرد التفكير فيه.
اجتزتُ المنطقة المحيطة بالحاجز المهجور الذي كان تابعًا للفرقة الرابعة، وبعد حوالي عشرة أمتار شعرتُ بأنني أدوس على لغم. صرختُ بصديقي الذي كان قريبًا: “ابتعد!”، ثم انفجر اللغم، وانفجرت قدمي معه. كنت واعيًا بكل ما حولي. سحبني الناس (شحطًا) خارج منطقة الألغام.
استأجرت عائلتي سيارة، وأسعفتني والدتي وأخي إلى مستشفى المدينة في منطقة المعامل بين مدينتي الحسكة ودير الزور. هناك، لم نجد طبيبًا مختصًا، ولا حتى ممرضًا. كانت قدمي معلقة بجسدي مثل كيس خضار في يد رجل عجوز. حتى الشاش والمُعقّم خرج أخي ليشتريهما من صيدلية قريبة. ضمّد بعدها قدمي رجل لا أعتقد أنه كان ممرضًا، ثم قال: “لا يوجد طبيب أوعية دموية في كل ريف دير الزور، وعليكم أن تسابقوا الوقت لتصلوا إلى مدينة الحسكة”.
وفعلًا، ذهبنا إلى مستشفى الحكمة في مدينة الحسكة، وهناك بتر الطبيب قدمي مع جزء من الساق. عدت بعدها إلى بيتي، لكن كان عليّ أن أعود إلى الحسكة كل يومين تقريبًا، أو أعبر نهر الفرات إلى أحد المشافي الخاصة في دير الزور، حيث يمكن تنظيف جرحي وتعقيمه والحصول على العلاج. الخدمة التي أتلقاها في المشافي، حتى الخاصة منها، سيئة. غالبًا لا أجد طبيبًا مختصًا، ويتكفل بعلاجي ممرض قليل الخبرة، يلمس جراحي بحذر شديد وقلبٍ مُنخلع.
عندما يحالفني الحظ وأصل إلى طبيبي في الحسكة، أظل أفكر طوال الطريق في مقدار الألم الذي سأتحمله. ربما لا تعرفون أن الطبيب يمنعني من تناول أي مسكن قبل تنظيف الجرح، لأن المسكنات قد تتسبب بتوقف الكلى عن العمل. ذات مرة، تناولت المسكن قبل ذهابي إلى الطبيب، لكنه اكتشف الأمر فورًا، وبّخني بلطف، وشرح لي خطورة ما فعلته. لحسن الحظ، لم أتناول المسكن قبل ذهابي إلى ممرض آخر، لأنه بالتأكيد ما كان ليكتشف الأمر إلا بعد فوات الأوان، وربما كنت سأموت بسبب توقف كليتي.

أصعب ما أعيشه هو رؤية والدتي تبيع كل شيء جمعته في حياتها لتدفع تكاليف علاجي. باعت مصاغًا كانت تخفيه منذ سنوات، واستدانت من بعض أقاربنا. عندما أراها تدفع ما تملك وما لا تملك، تعود بي الذاكرة إلى طفولتي، عندما سرقتُ من محفظتها ذات يوم خمس ليرات، وأقسمت على نفسي حينها أنني عندما أكبر، سأشتري لها غسّالة أوتوماتيك بدلًا من تلك الخمس ليرات. لكنني، بدلًا من أن أفي بوعدي، جعلتها تنفق عليّ مالها حتى آخر فلس.
المنطقة التي أصبتُ فيها لا تزال على حالها. لم يتحرك أحد من المسؤولين عن أمن المنطقة لتسويرها أو تنبيه الناس. المنطقة قريبة من القرية والمدينة وتشكل فاصلًا بينهما، ولا أتمنى أن يتكرر ما حدث معي مع غيري.
أنا، أبو رامي، واحد من عشرات الجرحى الذين أُصيبوا بالإعاقة أو فقدوا حياتهم بسبب انفجار “بذور الموت” (الألغام)، أو “الموت المؤجل” كما يسميها ناشطون. خلال شهرين فقط من سقوط النظام، سقط العديد من الضحايا بسبب الألغام، خصوصًا في ظل عدم اتخاذ أي تدابير من قبل الدفاع المدني أو قوى الأمن العام لعزل حقول الألغام أو تسويرها، ووضع علامات تحذيرية تدل على احتمال وجودها.
قضية الألغام ربما ستحتاج إلى سنوات لحلها، بسبب انتشارها في مساحات واسعة حول المواقع الأمنية للنظام السابق، وفي الأراضي الزراعية في القرى، وبالتأكيد في البادية، حيث يغامر الناس بالخروج إليها للرعي أو في موسم قطاف الكمأة. وتشير الإحصاءات الصادرة عن المستشفى الوطني (الأسد سابقًا) في دير الزور إلى تسجيل ثلاثين حالة وفاة وأكثر بسبب الألغام في عموم المحافظة، خلال الشهرين الأولين فقط بعد سقوط النظام.