الإرادة

اسمي علا وهذه حكايتي: هنا مخيم الهول… هنا أنا لا أحد

شيماء الشريف، منصة إرادة

السّاعة السّابعة مساءً، 20/7/2024: في خيمتي الّتي تقع  في الفيز الرابع- مخيم الهول:  الهواء الملتهب يصفع وجنتي، ويلسعني  الحصى النافر من تحت الحصير الّذي أُلقيت عليه منذ خمس ساعات عندما قامت جارتي بمساعدتي على التّخلص من محتويات أحشائي، أسمع زقزقة الأطفال المتعاركين جانب خيمتي أغمض عينيّ وأحاول الغوص في أحلام يقظتي هربا من شعور الوخز الدائم تحت وركي، إذ لا فائدة من الزحف إلى أيّ اتجاه أو التقّلب على أي جنبٍ بما أن هنالك حجرةً جديدة ستنغرز في لحمي، لهذا أغوص في الخيال فتنبت لي أرجل حصان قوية بدلاً من قدميّ المبتورتين ليبدأ الجري والركض بحرية. لا أعرف لماذا أرجل حصان ربما لأن أرض المخيم لن يفرح بالجري عليها كائنٌ أكثر من الحصان، أرض صخرية خشنة، وحجارة وحصىً مدّ البصر. جميع الاتجاهات متاحة للحصان ليرتع. لن يأبه الحصان بالاتجاهات. حتّى البوصلة ستضيع في هذا المخيم بالتأكيد، كما أنّ الحصان يمكنه القفز فوق السّور الفاصل بين قطاعات المخيم. 

هنا، في مخيم الهول، لا تُستخدم تسمية قطاع، بل (فيز). الفيز الأوّل والثّاني والثالث والرابع والسابع مخصصة للنازحين السوريين واللاجئين العراقيين، أمّا فيز(الأنكس) فهو مخصصٌ للمهاجرات، أيّ عائلات الدواعش من جنسيّات غير سوريّة أو عراقيّة.

اسمي علا، عمري 32، من مدينة حمص، زوّجني والدي قبل سبع سنواتٍ لابن صديقه، والّذي سينضم لاحقاً لصفوف داعش، ويصحبني معه إلى مدينة الرّقة. هناك تعرضتُ لإصابة عندما قصفت المدينة. اكتشفتُ بعد يومٍ من إسعافي إلى المستشفى بأنّني فقدتُ قدمي الاثنتين، وفقدت القدرة على الشّعور بذراعي اليمنى من الكتف. كان عمر طفلي أحمد عاماً ونيّفاً عندما أصبت قبل أيّام من دحر التنظيم بشكل كامل من مدينة الرّقة. منذ ذلك اليوم لم أرّ وجه زوجي أو بالأحرى، مُغتصبي، سمعت لاحقاً بأنه هرب إلى تركيا، ويرفض أيّ تواصل معي كما لم يحاول السؤال عن ابننا أحمد.

السّاعة الثانية عشرة ليلاً، في خيمتي: ممددة على فراشي، بجانبي أحمد يغطّ في نوم عميق يسبح في عرقه، يصرخ في نومه، فأقوم بتشغيل ضوء الشّاحن الذّي تسلمته من “المفوضية تبع شؤون النازحين” كما يسميها هنّا سكان المخيم. عندي هدفان من تشغيل الشّاحن بين الفينة والأخرى، فأمّا الأوّل، لأعرف هل صراخ أحمد بسبب الحرارة العاليّة أم أنّه مجرد حلم مزعج أم أنّ هنالك عقرب أو حشرة ما تقوم بلدغه. أما السبب الثّاني فهو ليعرف الجوار بأنني لاأزال مستيقظة فلا يحاول جاري التّسلل إلى خيمتي. جاري يضايقني منذ عدّة أشهر، هو خمسيني له ثلاث زوجات وجيش من الأطفال يريد الزواج بي، ولهذه الغاية لا يتوانَى عن مضايقتي وتخويفي. مرّة، استيقظت في منتصف الليل، رأيتُ رأساً مدسوساً في باب الخيمة، نشف الدم في عروقي واللعاب في فمي. حاولتُ أن أصرخ لم أتمكن. شعرتُ بأنّ فمي مشلول مثل ذراعي وأن لساني مقطوعٌ مثل قدميّ. الخوفُ لم يعد يسكنني، بل أصبحت أسكنه. أحاول أن أطمئن نفسي فأقول ما الّذي سيحصل؟ دع الجميع يدخلون رؤوسهم في خيمتي، أنا فقيرة لن يطمع أحد بثروة أدفنها تحت وسادتي، كما أنني معاقة لن يتم اغتصابي. تعود نفسي وتخبرني بأنّ إعاقتي ستكون سبباً إضافياً يُسهل الاعتداء عليّ. أظّل أجترّ هذا الحوار حتّى الخامسة صباحاً حين أسقط في نوم عميق جداً كما تسقط حجرة في بئر بعد أن أطمئن بأنّ الكثيرين قد استيقظوا وأصبحت في أمان. فكرتُ كثيراً بتقديم شكوى لإدارة المخيّم، ولكنني أعرف بأنّ زوجاته وأولاده لن يتركوا لي راحة حينها، ولا أعرف بالضبط إلى أين ستصل تداعيات هذه الحرب إن بدأتها معهم.

مخيم الهول هو أحد أكبر مخيمات اللاجئين والنازحين داخلياً في سورية، وكان يضم حتى نهاية السنة الماضية، نحو 50 ألف شخص من السوريين والعراقيين غالبيتهم من النساء والأطفال، وأكثر من 10 آلاف أجنبي من حوالي 60 دولة أخرى، معظمهم من عوائل مقاتلي الدولة الإسلامية، ممن تماطل دولهم في استعادتهم، أو حتى ترفض إعادتهم، وفي بعض الحالات يقومون "بتجريدهم من جنسياتهم". ويخضع حالياً لسيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد). ويعاني سكان مخيم الهول من ظروف إنسانية صعبة وتفرض عليهم قيود صارمة على الحركة والتنقل. ووصفت منظمة أطباء بلا حدود في سورية مخيم الهول في آخر تقرير لها بأنه سجن ضخم في الهواء الطلق فيما أغلبية سكانه هم من الأطفال وكلما طالت مدة بقائهم فيه بشكل تعسفي، ازداد الأمر سوءًا، مما يترك جيلًا جديدًا عرضة للاستغلال ومن دون أي احتمال لعيش طفولة خالية من العنف.

جاري ليس عاشقاً لي، ولكن السبب من وراء رغبته الزواج منّي هو سرقة المساعدات الّتي تصلني مرّة كل شهرين، والمعدّات الموسمية الّتي تقدمها المفوضيّة للاجئين في المخيم مثل الخيمة، البطانيّات، الشّاحن الضوئي المجهّز بلوح طاقة شمسيّة صغير، فالكهرباء لا وجود لها في المخيم منذ سنوات. أنا أتلقى نفس المساعدات وليس أكثر بغض النظر عن إعاقتي أو حاجتي كامرأة وحيدة ومعيلة لطفل، ولكنّ هذه المعونات كانت سبباً في شقائي منذ أشهر ولا يمكنني رفض استلامها وإلّا هلكت أنا وطفلي من الجوع. تستلم هذه المساعدات (بالوكالة) جارتي، تأخذها إلى خيمتها وتعطيني ما يطيب عنه خاطرها، ومهما كانت هذه القسمة مجحفة بحقي، لا يمكنني الاعتراض. لم أكن اكترث من قبل. فالمساعدات كانت كثيرة وفوق حاجتي، ولكنّها بدأت تتقلص وتتقلص منذ حوالي العامين، حتّى التّعامل من قبل المنظمات الإنسانيّة أصبح جافاً ومتعالياً. لا يدخل إلى خيمتي أحد، وإذا كنت بحاجة إلى زيارة المستوصف فيجب أن أخبر جميع الجوار بتفاصيل مرضي، فإذا قُيّمت على أنّها ضرورة، تأخذني إحدى الجارات إلى المستوصف قبل السّاعة الثالثة ظهرا، لأنّ على الجميع تسليم سيّاراتهم خارج المخيم قبل ذلك الموعد تحت طائلة المصادرة فتتقطع السّبل أمام المرضى خصوصاً ذوي الإعاقات الحركيّة. منذ فترة ليست بعيدة، داهم أحد جاراتي المخاض ليلاً فاحتار الجميع كيف لهم أن ينقلوها إلى الفيز الأوّل حيث توجد النقاط الطبيّة، فما كان منهم إلّا أن وضعوها في عربة مخصصة للخضار والمساعدات وحاولوا دفعها لمسافة طويلة فوق الأرض الصخرية، ولكنّها ولدت طفلها في العربة قبل أن تصل إلى النقطة الطبيّة. أحد التغييرات والّتي فرضت علينا في الآونة الأخيرة هي منع استلام أيّة حوالات خارجيّة من المخيم بحجة دعم الإرهاب، الأمر الّذي حرمني من استلام بعض المال الذي كنت أنتظره كلّ عدّة أشهر من أختي المقيمة في تركيا.

كثيرٌ من الأحيان أتمنى لوكنت رجلاً. هنا في مخيم الهول، الرجال أكثر حريّة ويحظون بالكثير من الاحترام بسبب قلّة عددهم مقارنة بالنساء، كما أنّه لا مشكلة في كون الرجل ذا إعاقة، فالإعاقة لا تمنع الرجل من الإنجاب، والإنجاب هدفٌ لكلّ نساء المخيم. على الرّغم من أنني لست فيلسوفة أو خبيرة اجتماعيّة، ولكن على الأغلب الهدف الأوّل لحمى التكاثر عند سكّان المخيم هو غريزة البقاء.، الظروف المأساويّة الّتي نحياها، تُشعرنا بأننا شريحة مرفوضة، مكروهة، محتقرة. معاملة الموظفين والحراس لنا، تقول هذا صراحة دون مجاملة أو مواربة، ولهذا، يرغب النّاس بمقاومة هذا الشعور بالتمسّك بالحياة أكثر، والتّشبث بكلّ ما يستفز السّجانين، نعم سجّانين لأنّ أي مكان تقيم فيه مكرهاً غير مختار هو سجن، فالخروج من المخيم غير مسموح إلّا للعلاج في مشافي مدينة الحسكة، وعلى حساب المريض إذا كانت الحالة طارئة جداً وتهدد الحياة. قبل عدة أعوام كانت المنظمات الإنسانيّة تخصص عدداً من الوظائف لقاطني المخيم المتعلّمين وذوي الخبرة، هذا أيضاً توقف بشكل كامل تحت طلب إدارة المخيم. كنت قد عملتُ سابقاً مع أحد المنظمات الإنسانيّة وكان الشيء الوحيد الجميل الّذي مررت به في السنوات الأخيرة. صحيح بأنّ تهديدات من نساء متشددات كانت تصلني، ولكنني كنت سعيدة بالعمل معها على أيّة حال، كنت أتنقل بمساعدة زملائي وبواسطة سيّارة مخصصة لذوي الإعاقة.

لا يمكنني وصف جحيم المخيم بكلمات قليلة، ربّما أحتاج إلى أيام طويلة من البوح المستفيض، ولكنّه يذكرني بشعوري عندما كنت طفلة صغيرة في ثالث أيّام العيد عندما حملني أخي على ظهر الحصان. كنت أعتقد بأنّها ستكون مغامرة جميلة، لكن ما إن لامس وبر الحصان جلدي الرّقيق، حتّى شعرت بألم، ألم عادي، لكنه لا يحتمل، شعرت وقتها بأنّ الوبر يخترق قلبي وليس ساقي فقط. شعور بشعٌ جداً ما أزال أتذكره حتّى الآن، بل أتذكره كلّ يوم في خيمتي، لأنه الشعور الأقرب لألمي اليومي هنا، أتمنى لو أنزل عن ظهر خيمتي كما نزلت عن ظهر الحصان خلال ثوان حينها، اليوم أمضيت سبع سنوات والوبر ما زال مغروزا في جسدي.