الإرادة

اسمي شيرين وهذه حكايتي: سأقطف الفرح دون أن تطال قدمي الأرض

شيماء الشريف، منصة إرادة

منذ بداية الحرب في سورية عام 2011 وأنا أشعر بالقلق والخوف أكثر من غيري، مع كلّ حادثة أو معركة أو نزوح كنت أشعر بأنّني أَفلتُّ من شيء ما يلاحقني ويتربّص بي، لم أتحدّث عن مخاوفي وهواجسي هذه في محاولة منّي للالتفاف على القدر والتّحايل عليه، كنت أعتقد بأنني إذا تحدثت عن شيء يخيفني سيقع ويتحقق، أمّا لو تجاهلته، فالقدر أيضاً سينساه، وستمر الأزمة على خير، أو أنا سأمرّ بها على خير، ولكن لعبتي هذه مع القدر لم تنجح، لم أَمُت، ولكنني فقدت رجلىَّ كلتيهما.

اسمي شيرين خالد العمري وهذه حكايتي: 

2013 في حي العمّال في دير الزّور بعد عودتنا من نزوحنا الأوّل والثّاني والثّالث والرّابع والخامس، قررنا أخيراً أنا وعائلتي الاستقرار في منطقتنا تحت نيران الحرب الدّائرة، بعد أن اكتشفنا بأننا نلعب معها لعبة (الطميمة)، كنّا كلما انتقلنا إلى قرية من قرى ريف دير الزّور، تلاحقنا الاشتباكات والقذائف، وعندما فكرنا في النّزوح إلى الحسكة أو الرّقة الآمنتين حينها قبل أن تنتقل إليهما غبار الحرب، لم تسعفنا جيوبنا فقررنا العودة وانتظار مصيرنا، وكلّنا أمل أن نفلت من دائرة الموت المنتشر في كلّ مكان في حيّنا، كان الموت في السّماء كما في الأرض، لا جدار يشعرنا بالأمان ولا سقف ولا باب، القذائف لا تطرقُ الأبواب ولا تردُعها جدران.

سكنت أنا وعائلتي المؤلفة من أخويّ المتزوجين، وأخواتي الثلاث الأصغر، جميعنا نسكن بيتنا المؤلف من طابقين، كان السّكان قليلين في المنطقة بسبب نزوحِهم غالبيتِهم إلى مدن ثانيّة أو خروجهم من البلاد كلّها، أمّا المدنيون الّذين بقوا في المنطقة فكانوا قلّة موّزعة مثل حبّات البركة في طبق الفطائر، تزوّجت في العام 2014 وانتقلت لأسكن في حيّ مجاور، وبعد أقلّ من ستة أشهر من زواجي أُصبت عندما كنا مقرفصين أنا وزوجي وقلوبنا تكاد تخترق صدورنا وتنبض بين كفوفنا علّها تطمئن قليلاً وتهدأ، ولكن ما حدث على العكس كان القصف يقترب أكثر فأكثر، ولم نعد نطيق الجلوس في شقتنا الواقعة في الطّابق الثّاني، فنزلنا نلتمس الأمان في الدور الأرضي من نفس البناء، وكأننا على موعد مع القذيفة الّتي ضربت الدّور الّذي قصدناه لا أذكر شيئاً سوى احتضان زوجي لي قبل أن أستيقظ في المستشفى الّذي لم يقدّم لي شيئاً تقريباً سوى تضميد جراحي، أُصبنا كلانا أنا وزوجي وتوفي ثلاثة أشخاص آخرين من جيراننا في نفس الليلة، بعد سماع أقاربنا بما حلّ بنا أرسل بعضُ الأقارب مبلغاً لعلاجنا أنا وزوجي، وتوجهنا حينها إلى مدينة الحسكة، في ذلك اليوم تلاشى حلم الأمومة من أحلام يقظتي ونومي، ولم أعد أحلم سوى بالشّفاء، بعد أن انتقلنا إلى الحسكة تعافى زوجي ولم تترك القذيفة سوى بعض الشّظايا في جسده، أمّا أنا فقد فقدت رجليّ كلتيهما بسبب تأخّرنا في العلاج وإصابتها بالتهابات لا يمكن علاجها سوى بالبتر، بعد عدّة أشهر من فقداني لرجليّ حاولنا العودة إلى حياتنا العاديّة ببطء، ولم نرزق بأطفال كما لم نفكّر طوال كلّ السّنوات السّابقة حتى العام 2020 حين شعرت فجأة بإرهاق شديد، وقمت على سبيل التأكّد بإجراء اختبار للحمل ليصدمني الشريط الأحمر الفاتح الثّاني في شريط الاختبار المنزلي، عاد زوجي الّذي يعمل في السّوق بما يرزقه الله ليصدمه وجهي العابس الضاحك مثل لوحة الموناليزا، أخبرته بأنني حامل، فرح فرحة لم أرها في عينيه منذ تاريخ إصابتي، ثمّ ما لبث الفرح أن هرب من عينيه بعد أن اصطدم نظره برجليّ غير الموجودتين، قصدنا الطبيبة النّسائيّة، وفي قاعة الانتظار كنّا أنا وزوجي مثل عريس وعروس جالسين وسط مئتم، كنّا غريبين في نظر بقية النّساء الموجودات، تفحّصت كل واحدة منهنّ جسدي بفضول، أعطتني الممرضة الدّور الأوّل لتتخلص من دوّامة النظرات الّتي يثيرها وجودي .


تتمتع أغلب النساء ذوات الإعاقة بحمل صحي. ومع ذلك، بالمقارنة مع النساء غير المعاقات، قد يتعرضن لمعدلات أعلى من بعض المضاعفات التي قد تصيب الأم والوليد، والتي يمكن الوقاية منها من خلال الرعاية الجيدة قبل الولادة. تشير التقارير أن هناك العديد من الحواجز والعوائق تحول دون حصولهن على العناية والمتابعة اللازمة، فضلاً عن التمييز وأحياناً عدم الاحترام والأحكام المسبقة من النظام الطبي .

في غرفة الكشف قالت لي الطبيبة: (أعترفُ بأنكِ أوّل حالة امرأة مبتورة القدمين أشرف على علاجها)، قالت لي بأنّ البتر أهون من الشّلل على كل حال، ومضت شهور الحمل بسلام، كنت مثل أيّ سيدة تراجع طبيبتها كلّ شهر لتطمئن على حملها، ولكن أكثر قليلاً حيث يجب عليّ أن أذهب إلى طبيبتي كلّ شهر مرتين على الأقل، أتممت شهور الحمل، وولدت بسلام، بعد عملية قيصريّة ولدت طفلتي الّتي سميتها (عائشة)، لم يكن وضعي يسمح لي بالولادة الطبيعيّة فالبتر يتسبب بضعف الجسم خصوصاً أنني لم أمارس الرياضة، وجسمي امتلأ بعد سنوات من قلة الحركة.

اليوم عمر طفلتي أربع سنوات، جاءت إلى حياتي وجلبت معها الخير كلّه، عملُ والدها يتحسن، حالتي النفسيّة اختلفت تماماً، أصبحتُ مدمنة سعادة وحب، بعد أن كنت مدمنة حبوب مسكنة ونوم، أصبح لبيتنا هالة ورديّة تخرج من الأبواب والشّبابيك، ونشعر بها نحن وكلّ من يزورنا، حاولتُ ألّا ينقص عيّوش أيّ شيء، ألعب معها كثيراً، لا أسمح للحزن أن يدخل بيتي، كما لا وجود لكلمة بتر في حياتنا، حتّى ضيوفنا صاروا يعرفون بأنّ الحديث عن إعاقتي أو البتر ممنوع في بيتنا، لا أريد أن أركز على هذا الجانب من حياتنا، ولا أريد أن تكون جميع ذكريات عيّوش عن الحديث عن المرض والبتر، الصعوبة كانت كبيرة في رعاية طفلتي عندما بدأت تزحف وتمشي، كان من الصّعب  السيطرة عليها، وكنت أُضطر  لإبعاد الأثاث وإغلاق باب الغرفة الّتي نمضي فيها أغلب يومنا، أعترف بأنّ البيت كان فوضوياً للغاية، ولكن لم يكن يهمني هذا الأمر في شيء، المهم  عندي هو سلامة طفلتي.

 

والدي كان من ذوي الإعاقة، عانى من شلل قدم واحدة بعد حادث سير، ولهذا أنا أعرف جيداً ما يشعر به أطفال الأشخاص ذوي الإعاقة، يحتاجون لأبوين شجاعين يحافظان على حياة أطفالهم بسيطة خالية من التعقيدات، يحتاجون إلى ثقة والديهم بأنفسهم ولا يريدون والدَين منكسرين، كنت أشعر بأنّ والدي يخجل من إعاقته، وهذا ما لن أفعله مع ابنتي، سأقوم بواجبي على أكمل وجه، وأعلمها بأنّ الإعاقة جعلتني أَشجع، كما جعلتني أتمسك بالحياة أكثر، وأدافع عن حقّي فيها، ولن أرمي حجراً في بئر لأفحص عمقه طالما أنني لن أنزل فيه، وكذلك لن تهمني نظرة النّاس لي ولبنتي، ومن قبلنا لوالدي طالما أنّ نظرتهم هذه لا تملك أن تؤثر فينا.