الإرادة

اسمه ميار وأنا صوته: صغار أبرياء لكنهم نمور

شيماء الشريف، منصة إرادة

في كل ليلة أضع رأسي على الوسادة وأنام، أحلمُ حلماً جديداً، أو كابوساً. الأمس حَلمتُ بأنّ ابني ميّار بين مجموعة ضباع تعضّ لحمه، وبينما هو يصرخ من الألم ويحاول الدفاع عن نفسه، تتحول الضباع إلى أطفال يضحكون ببراءة. فتحتُ عيني وجلستُ في فراشي طويلاً أفكّر: كم هو واقعي هذا الحلم؟ وهل الإنسان عندما يؤذي غيره يظلّ إنساناً أم أنّه يتحول إلى ضبع أو نمر؟ نعم، في جلسة تفكيري العميقة هذه خطر لي مصطلح “التنمر”، وكم أنّ النمر الغاضب الّذي نسبت إليه تسمية هذا المصطلح بريء منها. هل يهاجم النمر نمراً آخر ويسخر منه ويضحك عليه ويصفه بأبشع الصفات فقط ليشعر بالتسلية والنشوة؟ أم أنّه سلوك موجود لدى البشر فقط؟ تدخل الموسيقى التصويرية في جلستي التأملية، وينطلق في عقلي صوت شارة أغنية برامج الأطفال (ماوكلي): “في الغابة قانون يسري في كل مكان… قانون أهمله البشر ونسوه الآن… إخلاص حب دافئ… عيش فطري هانئ… لا ظلم ولا خوف ولا غدر ولا أحزان.” أخذت أردد الأغنية، لا أعرف كيف تنبّهت إلى أنّ الوقت متأخر وعليّ أن أعود للنوم

تزوّجتُ بعمر الواحد والعشرين من ابن جيراننا، وبدأت عائلتنا صغيرة وسعيدة عندما رزقنا بطفلنا الأوّل ميّار. حينها كانت الأحداث قد بدأت في البلاد، وكما تنتقل النيران سريعاً في الغابة إن اشتعلت، انتقلت إلينا نيران الحرب في مدينة الطبقة التي كنا نقيم فيها. كان عمر ميّار آنذاك ثلاث سنوات. كان صوت الطيران يصيبه بحالة من الرعب والتشتت، يركض ركضة بريئة لطفل في الثالثة من عمره، يقرفص في الزاوية ويحاول بما أوتي من قوة أن يغلق صيوانَي أذنيه في محاولة لعدم سماع الطيران. أتفهم جيداً خوفه من صوت الطائرة، وأتذكر كيف كنت أموت من الخوف عندما كنت طفلة وأسمع شارة برنامج (من الألف إلى الياء)، التي كانت عبارة عن ضجيج طائرة متصاعد. كان أخي يستغل خوفي من صوت بداية هذا البرنامج، فيرفع صوت التلفاز إلى الأعلى ثم يغلقه. وعند تمام الساعة الثامنة، موعد بداية شارة البرنامج، يطلب مني تشغيل التلفاز، وأنا بكل عفوية أضغط زر التشغيل ليبدأ الجحيم بالانبعاث من الشاشة الصغيرة، وأركض إلى الزاوية تماماً كما كان يركض ابني عندما يسمع صوت الطائرة تحلّق فوق منطقتنا.

نشرت منظمة الصحة العالمية في آذار 2024 دراسة شملت 279 ألف طفل من 44 دولة حيث قال 16% منهم إنهم تعرضوا للتنمر. ويختلف التنمر المدرسي عن المضايقات العابرة أو المشاجرات التي قد تحدث بين الطلاب من حين لآخر، فالتنمر المدرسي هو سلوك عدواني متكرر ومحاولات حثيثة من طالب أو مجموعة من الطلاب لمضايقة طالب آخر، وقد يكون في صورة الضرب المتكرر، أو الإهانة الكلامية، أو نشر الشائعات عنه، وغيرها من المضايقات، وغالبًا ما يتنمر الطلاب الأقوى على الأضعف منهم بدنيًا أو نفسيًا.

بعد ثلاث سنوات من المعاناة من القصف والاشتباكات، اضطررنا إلى مغادرة المدينة. كانت وجهتنا مدينة الحسكة التي بقينا فيها سنوات. في الحسكة، صمت ضجيج الطيران وبدأ ضجيج ينبعث من داخلنا، من تفاصيل يومنا. في الأشهر الأولى من وصولنا كنت منشغلة جداً بمحاولة الاستقرار. انشغالي بعشّنا العائلي الجديد جعلني أتأخر في ملاحظة وضع ابني ميّار. كان ميّار تقريباً لا ينطق أي كلمة، ولكنه طفل ذكي وودود يحب أن يساعد الغير. أخذت أكرر الكلمات وأطلب من ابني البكر ميّار أن يرددها ورائي، ولكن دون جدوى. لم ينطق ميّار كلمة واحدة بوضوح قبل عمر الست سنوات. فرحت كثيراً بهذه الكلمة مع أن أقرانه من الأطفال كانوا يسردون قصصاً. لا بأس، المهم أننا نتقدم إلى الأمام. مثل كل الأمهات، ثابرتُ على تدريب ميّار على الأحرف والكلمات. استعنت بالخلطات الشعبية وبالطب. طبيب الأسنان والتقويم أخلى مسؤوليته من المشكلة، وأخبرني بأن مشكلة ابني اجتماعية ونفسية. لا يوجد أطباء نفسيون ألجأ إليهم. بحثت كثيراً على الإنترنت. تراوح وضع ابني بين التقدم والتقهقر، وكلما نما طفلي وكبر في العمر كانت مشكلة تأخر النطق تتحسن. وصل ميّار إلى مرحلة التأتأة، وبالنسبة إليّ، التأتأة وضع ممتاز أفضل بكثير من عدم النطق.

لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى بقية الناس. كانت التأتأة مبرراً لزملائه في المدرسة ليسخروا منه ويضحكوا عليه. كان دور المعلمين سلبياً تماماً. تنقل ابني بين عدة مدارس هرباً من التنمر. لا مكان آمن بالنسبة إليه سوى البيت. أما السيناريو الأسوأ فكان الشارع. لم يلعب ميّار يوماً في الشارع مثل الآخرين دون أن يتعارك مع بقية الأطفال. تربى هؤلاء الأطفال على يد أمهات أو آباء متنمرين حتماً. جارنا طفل فقد قدمه في الحرب يلعب بجانبهم ولا يؤذونه. عرفت سبب تقبّلهم اللعب معه عندما سمعت إحدى الأمهات تخبرهم بأنّ مضايقته حرام، وأن الرب سيعاقب من يؤذيه كونه معاقاً. أما ميّار فلم يشمله هذا “الحرام” من وجهة نظرها، ليُحرم من متعة اللعب بأمان مع بقية الأطفال. وما يزيد الطين بلّة، النظام الاجتماعي القائم في الحسكة، نظام “أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب”. هذا القانون العشائري الهمجي المنتشر بين الصغار والكبار، والذي يعاني منه أي غريب عن المنطقة، مثل ميّار.

المدرسة هي المكان الأكثر الذي يعاني فيه ميّار من التنمر. يمكنني إبعاده عن الشارع ومحاولة إيجاد بدائل له للعب في الحديقة أو البيت أو مع أولاد خالاته وأعمامه، ولكن ماذا عن المدرسة؟ هل يمكن أن أصمم مدرسة له وحده؟ على الرغم من أنّ حق الأطفال من ذوي الإعاقة بالتعليم مكفول بالقانون بحسب استشارة المحامي، إلا أن إدارات المدارس غالباً ما تلتف على هذا الحق وتنجح في التهرب منه، خصوصاً في محافظة الحسكة وقلّة عدد المدارس مقارنة بعدد الطلاب. ترفض المدارس في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية تعليم المنهاج السوري، وتستبدله بمنهاج خاص بها، ما يجبر الكثير من الأهالي على إرسال أطفالهم إلى المدارس في المربع الأمني حيث يُدرّس المنهاج السوري. نتيجة لهذه الأزمة، يمكن لإدارات هذه المدارس أن ترفض تسجيل التلميذ الذي “يصدّع رأسهم” ويحتاج إلى متابعة وقد يُسبب المتاعب، بحجة عدم وجود شاغر. لهذا أحاول دائماً الحفاظ على شعرة معاوية مع إدارة مدرسة ابني، وأتجنب نقله مرة جديدة إلى مدرسة أخرى، خصوصاً أنّه لا ضمانة بأن الوضع سيكون أفضل فيها. أتحمل رؤية ابني يكره المدرسة ودفاتره وكتبه كل يوم يعود فيه منها.