شيماء الشريف، منصة إرادة
1/10/2015مدينة الميادين شرق دير الزور، المدينة تحت سيطرة داعش منذ عامٍ واحدٍ، بدأ الأخير حينها بنشر وتعميم مبادئه على النّاس، كنت أنا قد أصبحت حاملاً منذ شهرين، أتذكّر جيدا بأنّ الوصول إلى العيادة النسائية كان أمراً غير متاح بالنسبة إلي، فأغلب الأطباء/الطبيبات كانوا قد هجروا المدينة منذ بداية الحرب في سورية، ومن تبقى منهم غادرها بعد سيطرة داعش على المنطقة، لم يتبقَ سوى القابلات اللواتي يمارسن المهنة على طريقة الجدّات. مع بداية الشّهر التاسع لحملي أخبرتني القابلة بأن الولادة الطبيعيّة مجازفة كبيرة وبأن وضعي يستوجب أن أضع طفلتي بعملية قيصريّة، كنت أعرف هذا جيداً بسبب تجربتي أثناء الولادة الأولى. الحوض ضيق ولا يسمح بمرور الجنين من خلاله بشكلٍ طبيعيّ. الجديد بالنسبة إليّ، وما لم أكن أعرفه هو أنّ الولادة القيصرية حرام، كما أخبرتنا إحدى الداعشيات العاملات في المستشفى الوحيد في المدينة الّذي لم يلحق الدمار جميع أقسامه.

استمعت إلى حديثها ممسكة ببطني، أشدُّ عليه أكثر مع كل كلمة تقولها. لم تكن طبيبة ولا ممرضة، ولا مفتية، ولا إنسان، لم تكن إلّا مسخاً مغطىً بالسواد، حاجباها غير المرتبين والمنعقدان كانا يرتفعان وينزلان من تحت النقاب بشكل متناغم مع الحديث، وكأنّ أحدهما قلمٌ يكتب فواصل النقاش بيننا، أو بالأحرى الخطاب لأن الحديث كان من جانبها فقط. قالت: القيصرية حرام، ومعصية، بل وتدخّلٌ في القضاء والقدر. قلت لها: ولكنني سأموت إن وضعت الطفل بولادة طبيعية. قالت: إذاً حينها ستكونين شهيدة. حاولت أن أشرح لها طبيعة وحجم الحوض عندي وبأنّ حياتي وحياة الجنين في خطر، حَسَمت النّقاش بمقولة توكلي على الله وتقبلي قضاء الله وقدره. وطردتني.
خرجتُ من المستشفى إلى زوجي الّذي كان بانتظاري خارجاً، سألني ولم أجبه بشيء، مشيت شاردةً وتحوّل الطريق إلى ساحةٍ فارغة. لم أكن أرى شيئاً أمامي إلّا بعض الأحجار الّتي تعثرت بها أثناء سيري الهائم. في البيت وإلى أن بدأ المخاض كنت أعتقد بأنني أنا من سيموت. كان مصير الطفل ومصير ابنتي الأكبر كلّ ما يملأ ذهني ولحظات شرودي. عندما حان موعد الولادة لم أكن خائفة، ولم أفكر بأيّ شيء، كأنما انتهت الأفكار أو مسحت الخيالات من عقلي، أو ربما كان ألم الولادة السبب في صفاء ذهني خلال اليومين الّذين كنت أحاول أن أضع حملي فيهما. استمر الألم من الساعة الرابعة صباحا وحتّى الثانية عشرة ظهرا، هدأ حوالي ست ساعات ثم عاد من جديد من السّاعة السّابعة مساء وحتى الخامسة من مساء اليوم التّالي. وأخيراً وضعت طفلتي، ولكن لم أسمع صوت بكائها، سألت القابلة عنها ولم تجب بأيّ شيء. أيقنت بأنّ من فقد حياته كان الطفلة وليس أنا، رأيت القابلة تمسك الطفلة من رجليها وتحاول حثّها على البكاء، فتقرصها وتضرب مؤخرتها الصغيرة الجميلة، ولكن دون جدوى. فجأة صرخت الطفلة، وثبت القابلة ممسكة بها بشكل مقلوب وأشرق وجهها، قالت بأنّ الطفلة لم تتنفس لعدة دقائق ادعي الله بأن هذا لا يؤثر على صحتها، ولكنّها بحاجة إلى أوكسجين، قلت لأمي وللقابلة أرجوكم، أسعفوها إلى المستشفى وضعوها في الحاضنة، قالت القابلة: الحاضنة ليست معقّمة وبأن كل طفل ووضع فيها منذ عدة أيام يصاب بالتهاب الكبد ثم يموت بعد فترة بسيطة. “ما بدنا نكون بشي ونصير بشي” على حد تعبير القابلة، استسلمت واكتفيت بالنظر إلى وجه طفلتي، كانت زرقاء وبملامح منتفخة.
لا أعرف هل كان قراراً صحيحاً عندما لم أُسعفها وأضعها في الحاضنة، هل كانت حقاً ملوثة وتشكّل خطراً على حياة الطفلة؟ أم أنني أهملت طفلتي ولم أفعل ما يكفي لعلاجها؟ بالتأكيد كان هذا تقصيراً منّي ومن والدها حينها. تقصيراً ألوم نفسي عليه كلّ يوم مع كلّ حسرة تعيشها سلاف وهي تشاهد بقيّة الأطفال يركضون، يمشون، يتكلمون، يشاغبون، ويلعبون، بينما سلاف حبيسة جسدها.
أول سنتين لم أجزم بإعاقة طفلتي، ولكنّ شكوكي كانت كبيرة، أكذبها ما إن تنبثق في رأسي، حركة طفلتي أقل بكثير من قريناتها من الطفلات، ومع بلوغها الثلاث سنوات دون أن تنطق أو تمشي أو حتّى تحاول الوقوف، علمت بأنها من ذوي الإعاقة. نقص الأكسجة الدماغيّة تسبب لها بشلل دماغي. لا يوجد ما هو أصعب من أن تعطش وتحاول الإمساك بكوب ماء فترشقه على نفسك بدلاً من أن تشربه على الرّغم من شعورك بالعطش، كما لا يوجد ما هو أصعب من أن تكون بحاجة لاستخدام المرحاض فتضطر لانتظار من يساعدك لساعات كي يعود إلى المنزل ويعينك على إنجاز هذه المهمة. أبسط التفاصيل الّتي يمارسها أيّ إنسان تبدو متعبة ومجهدة وكثيراً من الأحيان مستحيلة بالنسبة إلى مريض الشلل. الرفاهية لا وجود لها في حياة ابنتي أبداً، الأدراج والسلالم كابوس ستخاف منه عائلتنا كلّها وليس فقط سلاف. مرض الديسك سيصيبني أوّلا ثم والد سلاف بسبب اضطرارنا إلى حملها عدة مرّات في اليوم، التواصل مع طفلتي الّتي لا تتكلم إلّا بعض الأحرف المشوّهة كان في غاية الصعوبة، خصوصاً خلال طفولتها. كنت أعتقد بأنّ صعوبة التواصل ستزداد مع تقدّم سلاف في العمر، ولكن ما حدث كان العكس، كانت سلاف، كلما كبرت أصبحت هي وأنا أكثر انسجاماً وتناغماً. كنت أخشى من أوّل دورة شهرية لسلاف، كيف سأشرح لها الأمر؟ وكيف سيكون مستوى النظافة الّتي سأتمكن من تهيئته لها؟ هل سأضطر لاستئصال الرّحم كما فعلت إحدى زميلاتي في المدرسة مع ابنتها؟ بالتأكيد لن أفعل هذا، الدورة تحسّن نفسيّة الأنثى وتحسّن صحتها العامّة من خلال تخليصها من الدّم الفاسد كلّ شهر، هذه جريمة لن أرتكبها بحق ابنتي. إذا كان إعقام الحيوانات لايزال محطّ نقاش إن كان فعلاً أخلاقياً أم لا. بالتأكيد إعقام الإنسان جريمة، خاصّة إذا كان هذا الإنسان لا يستطيع أن يرفض أو يوافق، كانت تسبح في ذهني هذه الأفكار بينما لاتزال سلاف في الثلاث أو أربع سنوات.

هربنا من سيطرة داعش والتمسنا الأمان والاستقرار في الحسكة بعد أن بلغت سلاف الثلاث سنوات من عمرها، كان وجود سلاف ضمن عائلتنا يجعل الجميع يتعاطف معنا. لم نعانِ كثيراً صعوبة في استئجار المنزل عندما لاحظ مالك المنزل سلاف، فقدم لنا تسهيلات ماديّة ولم يقم بإخراجنا من المنزل بعد ستة أشهر كما يفعل بقية مالكي المنازل مع المستأجرين في الحسكة. وهكذا تخلصنا من أكبر عبء يواجه أي نازح في الحسكة وهي مشكلة تأمين السّكن. التحقنا بوظائفنا فور صدور تحديد مركز العمل وبحثنا عن عملٍ إضافيّ. فعمل زوجي كسائق تكسي مساءً، وموظف حكومي صباحاً، أمّا أنا فبدأت أعطي بعض الدروس الخصوصية بعد عملي الصباحي كمعلمة. اضطررت بعد فترة إلى ترك الدروس الخصوصيّة فبيتي غرفة واحدة ولا يمكنني استقبال التلاميذ فيه، كما لا يمكنني ترك سلاف وحيدة في المنزل بعد أن سافرت ابنتي الكبرى والّتي كانت تعتني بسلاف أثناء غيابي عن المنزل والتحاقها بكلية الآداب في دير الزور. كان عليّ البقاء بجانبها لمساعدتها في الدّخول إلى الحمام، وتناول الطعام والشراب، سلاف تعتمد عليّ كلياً في هذا، وعلى الرّغم من أنها تقوم بمساعدتي ببعض أعمال المنزل، ودعوني أسميها بعض أعمال الغرفة لأن منزلنا مؤلف من غرفة واحدة، فتقوم سلاف بطي الثياب، ومسح الغبار أحياناً بقليل من الإتقان، إّلا أنها لا تستطيع الإمساك بكوب الماء.

قبل عامين كان وضع سلاف أفضل بكثير، كان باستطاعتها الوقوف بمساعدة والدها، والمشي لعدة خطوات، صحيح بأنّ خطواتها كانت مترنحة ولا يمكنها التّحكم بها بشكل جيد، ولكنّها كانت تقف على الّأقل، إلى أن غافلنا أخوها، وحاول إنهاضها، ثم وقعت إلى الخلف وصدمت رأسها بالأرض. منذ ذلك اليوم وسلاف ترفض بشكل كامل أيّ محاولة منّا لمساعدتها على الوقوف، بعد هذا الحادث أصبحتُ ظلاً لسلاف، لا أدع عيني تغفل عنها ولو لحظة، إلّا عند اضطراري للذهاب إلى المدرسة، حينها يظل القلق والخوف يأكلاني عليها.
لم تتمكن سلاف من الالتحاق بالمدرسة، فالمدارس في مدينة الحسكة الّتي نزحنا إليها كانت حلماً بعيد المنال بالنسبة للأطفال العاديين، فما بالك بالأطفال ذوي الإعاقة، بسبب قلة عددها وازدحام التلاميذ في الصف الواحد حيث يصل إلى ستين تلميذاً في الشّعبة الواحدة. كانت مشكلة المدارس بسبب إغلاق قسم كبير منها وتحويلها إلى مقرّات للإدارة الذاتيّة، وتعميم المنهاج الكردي على البقيّة، المنهاج الّذي لا يعترف به أحد داخل ولا خارج سورية، ولهذا كان العدد القليل من المدارس الّتي استمرت بتدريس المنهاج السّوري التقليدي قبلة لمئات الآلاف من الطلاب من داخل المدينة أو من الأرياف القريبة، الأمر الّذي جعل التحاق سلاف بالمدرسة ضرباً من الخيال. علّمت سلاف بعض الأحرف والأرقام في المنزل، أكتب على الورقة وأقول اسم الحرف أو الرقم، ثم أكرر العملية وسلاف تحفظها بسرعة، علّمت سلاف أيضا الممنوع والمسموح به والحدود الّتي يجب على الأقارب عدم تجاوزها، خوفا عليها من التّحرش.
لا أعرف على ماذا يجب أن أعتذر يا سلاف، هل على حملي بك خلال سنوات الحرب، أم على أوّل يوم لك في هذه الحياة والّذي أمضيت الدقائق الأولى منه في اختناق، أم على لهو أخيك معك وتسببه بسقوطك ثمّ بتراجع حالتك. ليتك بقيتي في رحمي ولم تخرجي منه، كنت سأطمئن عليك هناك أكثر، تؤانسك نبضات قلبي، وتدفئك دمائي الجارية في عروقي، اتأرجح بين الأسى عليك يا صغيرتي وبين الرضى! نعم الرضى الّذي تشعريني به عندما أسمع الرنين العذب لضحكاتك بين إخوتك. أحاول أن أتخيل عائلتنا دونك فأجدها باهتة تعيسة، نعم كما تقولين دائماً: (أنا صديقة أمّي)، وأنا صديقتك وسأبقى قدمك الّتي تسيرين بها في درب الحياة، ولسانك الّذي لم تؤذ به حتّى قطة تطفلت ذات يوم على مائدتنا، وقلبك الّذي لم يعرف إلّا المشاعر النبيلة، لا بأس عليكِ يا سلاف فعلى الرّغم من تعرّج طريقنا إلّا أنه سيكون دائماً إلى الأعلى برفقة عائلة نعيش فيها الحبّ رغم أنف الحرب.