الإرادة

اختلافنا ليس سبب تميّزنا… بل سبب تنمّرنا

مادلين جليس

هل لهذه البشرة أن تكون بيضاء يوماً ما؟ تتساءل الصبية الصغيرة وهي تحدق في مرآتها بحزن وألم. تلتفت سندس الطفلة ذات الأعوام العشرة إلى أمها التي تراقبها عن كثب، وتعيد لها السؤال ذاته: هل سأصبح بيضاء البشرة عندما أكبر. قد يكون لون بشرة سندس الغامق عادياً جداً ليس لدرجة القتامة والسواد التي تتخيلها هذه الطفلة، لكن سخرية زملائها وكلماتهم القاسية جعلتها تكره هذا اللون، وأودت بالطفلة للاعتقاد أن لون بشرتها هو عقابٌ إلهي على ذنب لا تعرفه. حاولت سندس في إحدى المرات الاستحمام بالكلور، ومرة أخرى استخدمت النيلة.

سخرية واستهزاء وتنابذ بالألقاب، كلها مصطلحات تنضوي تحت كلمة “تنمّر”، صحيح أنها تختلف بالأحرف، إلا أنها كلها تحمل ذات التأثير العميق في القلب، كلها تفتح المجال أمام دموع القلب لتنسكب حزناً على خطأ ليس لأحد يد فيه.

يرفض أيمن أن ننشر صوره، يخاف على نفسه من سخرية زملائه، “لو أنني امتلكت بضعة سنتيمترات إضافية لكنت استطعت مواجهة العالم بأكمله، أما الآن بهذه القامة القصيرة، فلا قدرة لي على جلب كأس من رفوف مطبخ منزلي”. بضع كلمات فقط وصفت حال الشاب ذي السبعة عشر عاماً، والسنتيمترات التي لم تتجاوز الـ ١٥٥. وفي حين ينشغل أصدقائه بالتفكير بالبكالوريا هذا العام، ينشغل أيمن بالبحث عن وصفة سحرية للطول، فيتتقل بين الأطباء والمشعوذين. تنقّل أيمن بين ثلاث مدارس حتى الآن، ولا مانع عنده من التنقل أكثر في حال وجد في المدرسة من يرونه مختلفاً ومنبوذاً لمجرد قصره الواضح.

ولعلنا لا نبالغ إن قلنا أنه يوجد أكثر من ألف سندس وألف أيمن في المدارس بأسماء وصفات مختلفة، يتعرضون يومياً للتنمر من زملائهم، وأن الآلاف أيضاً يدفعون ثمن ثقافة مغلوطة تلقاها المتنمرون في منازلهم، وألقوا بها على من حولهم سواء في مدارسهم أو في أماكن عملهم أو في ألعابهم كأطفال وغير ذلك.

سلوك قديم جداً

وعلى الرغم من أن التنمر جديد كمصطلح، إلا أنه وكسلوك موجود منذ القدم في أي مجموعة بشرية، برأي الطبيب النفسي الدكتور رفيف المهنا، الذي أكد أنه مهما اختلف حجم وعمر هذه المجموعة فإنها حتماً ستخضع لقوانين تشبه كثيراً قوانين الغابة أي البقاء للأقوى والمتسلط، ومن لديه القوة الجسدية والتخويفية، وما يسمى التنمر اليوم هو أحد أساليب التعامل الموجودة في هذه المجموعات.
كما أنه ليس سلوكاً جديداً، وباعتبار المدارس إحدى هذه التجمعات فإنها حتماً تحتوي هذا السلوك، خاصة في ظل وجود تفاوت بين طبيعة الأطفال وبين ظروفهم وصفاتهم.
وتعرّف الأخصائية الاجتماعية بشرى الفرا التنمّر أنه شكل من أشكال العنف الذي يمارسه طرف على طرف آخر بهدف إزعاجه أو إيذائه بطريقة مقصودة.
ويتسم التنمر بالتكرار أي أنه نمط سلوكي يحدث بشكل متكرر ومستمر من قبل نفس الطرف.
وتعتبر المدرسة برأي الفرّا إحدى البيئات المحيطة بالطفل التي ينشط فيها التنمر عن غيرها لما تحتويه من وجود عدد كبير من الأطفال بأعمار مختلفة، وعلى احتكاك لوقت طويل خارج إطار الرقابة أو الرعاية الأبوية.
كما تضم أطفالاً مختلفين بالثقافة والتربية والوضع المادي أو الاجتماعي، وتقوم بشكل أساسي على درجة اندماج الطفل بالبيئة الصفية أو العملية التعليمية وما يتبعها من مستوى تحصيل دراسي، أو تكوين صداقات أو علاقات جيدة مع المدرسين، إضافة إلى العامل الرئيسي وهو شخصية الطفل داخل هذا الوسط.
واستناداً إلى تلك العوامل نجد أن التنمر قد ينشأ بدرجة أعلى في المدرسة نتيجة لتفاعل معظم العناصر السابقة معاً من جهة، ومن جهة أخرى فإن التنمر يزداد عندما لا يكون هناك اهتمام حقيقي وفعال بالأطفال أو الطلاب أثناء وجودهم في المدرسة من قبل النظام المدرسي، وغياب الانتباه لهم أثناء الدروس الصفية، وفي الفرصة، وأثناء الحضور أو الانصراف من المدرسة.

ربما... ظلم سابق

عادة ينطلق الأطفال المتنمرون من تصورهم أنهم في وضع أفضل وأعلى من أقرانهم مثل الشكل الوسيم، أو القدرة الجسدية، أو الذكاء والتفوق الدراسي، أو الوضع المادي، مما يجعلهم يحصلون على شعبية أكثر بين زملائهم.

ويفسر المهنا ذلك أنه وبعد بعد مرور فترة من الزمن على وجود الأطفال في مجموعة مدرسية فإن ملامح شخصياتهم تبدأ تظهر للجميع وتتفرق جميع الصفات بين قوة وضعف واستكانة وعدم حب الدخول في الصراعات.

وفي تفسيره للتنمر الذي يقوم به بعض الأطفال، يذكر المهنا الأسباب النفسية، التي تدفع الطفل لبرهنة قوته، مبيناً أن هذه القوة قائمة في الغالب على ظلم سابق وقع على الطفل المتنمر، فكانت ردة فعله في إثبات قوته على من هو أضعف منه، وما يقوم به في المدرسة ليس إلا انتقاماً وردة فعل على سلوك مورس عليه خارج المدرسة، ونادراً ما يكون هذا السلوك موجوداً أساساً في شخصية الطفل. وقد يعود السبب لضعف في شخصية هذا الطفل وعدم ثقته بنفسه، أو عدم قدرته على التعامل مع غيره من الأطفال. يأخذ التنمر عدة أشكال، تعددها الفرا، منها:

  • التنمر المباشر: والذي يشمل الأذى الجسدي، والضرب والإهانة وسرقة ممتلكات المتنمر عليه.
  • التنمر غير المباشر: والذي يشمل العنف اللفظي والسخرية، وإطلاق الألقاب أو الشائعات حول الطفل وممارسة الضغط النفسي بالنظرات أو الإيحاءات.
  • التنمر الإلكتروني: الذي يتجسد بصورة واضحة بالتهديد والابتزاز أو السخرية والتعليقات المسيئة.

لابد من الانتباه لبعض الأعراض التي تظهر على الطفل-الضحية:

أولاً: الأعراض الجسدية أو الصحية، التي تتمثل بتغير بنمط الأكل، ونمط النوم، والصداع، قد يترافق ذلك مع التبول اللا إرادي ليلاً، إضافة إلى علامات جسدية إذا كان التنمر الذي يتعرض له الطفل جسدياً مثل الكدمات، أو الجروح.

ثانياً: الأعراض النفسية، مثل القلق، وانخفاض الثقة بالنفس، وانخفاض تقدير الذات، والخوف، والتفكير الزائد وقلة التركيز، وفقدان الثقة بالآخرين.

ثالثاً: الأعراض السلوكية، مثل الانسحاب أو العزلة، أو سرعة الغضب والعناد في المنزل، وعدم الرغبة بالذهاب للمدرسة، وتجنب الحديث عنها، ومحاولة البقاء بالقرب من الكبار، وعدم القدرة على تكوين صداقات، وأيضاً التصرف على نحو غريب أو سري، تدني المستوى الدراسي، وفقدان ممتلكاته أو عدم القدرة على الحفاظ عليها، والسرقة من والديه أو من الآخرين، وطلب المال المتكرر.

الكل "ضحية"

في تصنيفه للأطفال للمتنمّرين أو المتنمّر عليهم في المدارس يقسم الدكتور رفيف الأطفال لأربع فئات يسمى الفئات الثلاث الأولى منهم “ضحايا التنمر” وهم كالتالي:

القوي الحقيقي، وأتباع القوي، والضعيف الحقيقي، والضعيف المصطنع. ويرى المهنا أن ضحية التنمر ليس فقط الطفل المتنمر، بل كل التصنيفات السابقة هم ضحايا مباشرين وغير مباشرين له.

أولاً: الطفل المتنمر هو أول الضحايا، بسبب مايعانيه من مشاكل منزلية، وهو أكثر عرضة ليكون ضحية حقيقية مستقبلاً، باعتباره قادم من منزل وبيئة غير متوازنين. 

الضحية الثانية: هم أتباع هذا الطفل وغالباً مايكونون شخصيات انتهازية، وفي المستقبل نرى أنهم يتمتعون بشخصية مصلحية مباشرة لا تحمل أي مبادئ.

الضحية الثالثة: وهو الطفل الضعيف أو كما نسميه الضحية المباشرة، والمتنمّر عليه، وهم أطفال ضعفاء الشخصية، لديهم إحساس بعدم وجود سند ودعم حقيقي في المنزل بالتالي يواجهون مشاكل حقيقية أولها في المدرسة ومن ثم مشاكل في التعامل مع الآخرين.

التصنيف الرابع هو الناجي الوحيد من تأثير التنمّر، وهو الطفل الذي يلعب دور الضعيف لكنه ليس كذلك في الحقيقة، بل يمثّل هذا الدور لتجنّب المشاكل مع أقرانه.

الآثار: جروح سطحية وأخرى عميقة

يعود الدكتور المهنا للتأكيد على قدم سلوك التنمر، وعلى جدية المصطلح، ويضيف أنه في السابق وقبل انتشار المصطلح كان يتم التعامل مع هذا السلوك  بشكل طبيعي أما الآن فأصبح يعتبر من الأحكام الأخلاقية التي تطلق في المجتمع عموماً. لكنه بالمقابل لا يخفي الآثار النفسية التي تصيب المتنمّر عليهم، فهم أكثر عرضة للقلق الاجتماعي، وفوبيا رهاب الجماعة، وهم بالتالي سيكونون عديمي الثقة بأنفسهم مع وجود الجماعة.

فالمريض حينها لن يكون قادراً على التواجد مع الناس فهو دائماً يحمل إحساساً أنه أقل من غيره ولابد من أن يكون عرضة للتنمر، ولذلك نجدهم يمتلكون حساسية عالية تجاه اي كلمة وأي نقد، الأمر الذي ينعكس سلباً على شخصياتهم التي غالباً ماتكون ممحية تماماً وتأكيد الذات عندهم ليس منخفضاً فقط، بل قد يكون غير موجود أساساً، كل ذلك يضاف له أن المتنمّر عليهم هم أكثر عرضة للاكتئاب.

ولذلك اعتبر الدكتور رفيف أن التنمر هو امتحان لطبيعة الطفل، ولم يصفه بالمرض  بقدر ماهو برأيه حالة سيتعرض لها هذا الطفل سابقاً أو لاحقاً. لكن الولد المتماسك لا يتأذى وهو ما أشرنا له مسبقاً بالضعيف المصطنع، وهو طفل يمتلك ذكاء اجتماعي فطري، لكنه يلعب دور الضعيف أمام غيره.

لم يتوقف الأمر على المشكلات المستقبلية التي ذكرها الدكتور المهنا، بل هناك مشكلات حالية لابد وأن يتعرض لها الطفل المتنمر عليه خاصة إذا لم يحظَ بالانتباه من قبل الكبار سواء مدرسين، أو والدين، ولم يحصل أيضاُ على الدعم الحقيقي بعد تعرضه للتنمر، فمن المؤكد أنه سيتأثر بشكل كبير خاصة في حال لم يكتشف التنمر الذي يمارس عليه بشكل مبكر.

مسؤولية جماعية

في حال لعب الطفل أي دور من الأدوار السابقة، ومهما كان نوعه من بين تصنيفات الأطفال كضحية مباشر “المُتنمَّر عليه” أو ضحية غير مباشرة “المُتنمِّر” و” أتباع “المُتنمٍر” فمن واجب الأهل التساؤل ومعرفة السبب الذي دفع ابنهم للعب هذا الدور، والجواب يساعدنا على تخيل شكل العلاقة مع هذا الطفل، وما يجب تعديله بشخصيته، كإعطائه ثقة أكبر أو تعريضه لخطر أكبر، أو دفعه للعب ألعاب خطرة دون حماية عائلية، والخوض في ألعاب جماعية، إضافة إلى دفعه لممارسة هوايات تنافسية. لكنه يؤكد أن المفضل في أغلب الأحيان وجود طبيب نفسي يقوم بتقييم الحالة دون تدخل الأهل مع التأكيد على تقيدهم بالتعليمات الطبية دون ابتكار أساليب من عندهم قد تضر الطفل ولا تنفعه. 

تقدّم الإخصائية الاجتماعية بعض الإرشادات للكوادر التدريسية للحد من التنمر، أولها أهمية وضع خطة مدرسية عامة وقائية للحد من التنمر والتوعية حوله، تتضمن (مفهوم التنمر- أشكاله – الآثار المترتبة عليه سواء للمتنمر أو المتنمر عليه، والإرشادات الواجب اتباعها في حال تعرض أي طفل للتنمر)، يرافق ذلك جلسات إرشادية مع المرشدين النفسيين والاجتماعيين في المدارس سواء جلسات فردية أو جماعية.

لكنها تؤكد أيضاً على دور الكادر الإداري والتدريسي بالشعور بالمسؤولية الكاملة تجاه الأطفال وأمانهم وحمايتهم خلال فترة تواجدهم بالمدرسة من لحظة الاستقبال وحتى الانصراف، ويتجلى ذلك من خلال الملاحظة المستمرة والدقيقة لكل طفل والتغيرات التي تطرأ عليه من حيث تجاوبه مع العملية التعليمية، وتحصيله الدراسي، ومظهره الخارجي وهندامه، وتعامله مع أصدقائه، وملاحظة غيابه أو تأخيره المتكرر، إضافة إلى وضعه الصحي. مع التذكير على قيام الكادر التدريسي بالعمل على بناء الألفة والمحبة مع الطلاب لاسيما في المرحلة الأولى كي يشعر الطفل بالأمان والثقة بأن يخبر المدرسين بما يتعرض له من تنمر. ومن المهم أيضاً أن يتم أخذ الشكوى التي يتقدم بها الطفل أو التغير الحاصل عليه على محمل الجد والتعامل معها باهتمام للحد من التنمر عليه. إضافة إلى التنسيق مع المرشدين النفسيين والاجتماعيين في المدرسة للتعامل مع حالات التنمر التي تظهر بين الطلاب. ولا تنسى الإخصائية أن توجه بعض النصائح للأهل في المنزل، وتذكيرهم بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتقهم في حال تعرض ابنهم للتنمر خاصة من ناحية التواصل الفعال الذي من شأنه تحديد نمط التواصل ودرجة المساعدة والاحتواء التي يجب أن يحصل عليها الطفل من قبل أسرته.

وأخيراً نحن لا نملك الخيار بأن نكون معرضين للتنمر، ولكن حتماً نملك الخيار والقدرة في التعامل مع هذا التنمر، وهذا ما علينا تدريب أطفالنا عليه.