الإرادة

عبد الكريم عمرين
في الرابعة صباحاً أو أكثر قليلاً من يوم الاثنين الماضي استيقظت بتأثير الزلزال، في البداية لم أكترث قلت هزة أو اثنتان وتمضي أمور الطبيعة بحالها, وتتركنا وشأننا، لكن حين اشتدت الهزات أدركت أن الطبيعة غاضبة، وغاضبة جداً، كان علي أن أترك فراشي وأهرع إلى الشارع، لكن البرد شديد والمطر ينهمر مدراراَ، فلم أغادر فراشي، قلت في نفسي: أريد أن أموت مغموراً بالدفء والكتل البيتونية، فقد شبعناً برداً منذ سنوات.. ولم أنم طبعاً ولم أمت، لكن ماجرى بعدها كان أصعب من البرد وأشنع من الموت.
صباحاً يبدأ العالم يتعرف على حجم الكارثة التي حدثت في القسم الغربي الجنوبي من تركيا والقسم الشمالي الغربي من سورية، وكلما مرّت الساعات والأيام توغل الكارثة في بشاعتها، وترتفع أعداد الضحايا والمصابين والمفقودين ممن هم تحت الأنقاض. أتصل بأولادي في تركيا، أخبارهم شحيحة وإجاباتهم مقتضبة، وهذا مازاد قلقي عليهم، ثم أتأكد أنهم بخير لكنهم ينامون في الشوارع أو المساجد في طقس بارد.. بارد.

الرعب الأكبر الذي يسيطر على الناس هو الأخبار المتواترة بكثير من الفوضى الإعلامية والعلمية، من أقنية محترمة أو مراكز أبحاث وعلماء جيولوجيا وزلازل، أن ثمة هزّات أرضية قادمة أكثر شدة /فوق8 ريختر/ ستجتاز سورية ولبنان ودول شرق المتوسط لتصل إلى مصر، هذا الانتظار المؤلم انتظار الموت إذ تبتلعك الأرض، أو تلفظ أنفاسك تحت الأنقاض شيء قاس ومرعب، في بلاد لاتملك الحد الأدنى من الإجراءات لمعالجة الكوارث. في هذا الوضع وأنت قد غادرت الستين أو السبعين من العمر تتصرف تصرف المهزوم المستسلم لقدرك، وكل ماترجوه أن لايطول الأمر بك للانتقال إلى العالم الآخر دون عذابات من أي نوع. لكن الحياة ماضية إلى قدَّام بك ومعك أو بدونك، ورغم كل الصعاب التي نعيشها يبقى الأمل بالشباب والشابات وبالضمير السوري الحي.


أقرأ عن بيوت فتحت في سورية، كل سورية…
أقرأ عن قلوب انشقت…


أقرأ هنا وهناك، عن أطنان من الغذاء والدواء أرسلت للمتضررين من الزلزال الملعون، أقرأ عن بيوت فتحت في سورية، كل سورية، للمشردين الذين هدمت منازلهم، عن حرامات وفرشات وألبسة، أقرأ عن مبادرات رائعة لنساء ورجال سوريين من الداخل والخارج، عن الكفاح والتعب في سبيل أن تصبح الكارثة أقل ضرراً ومأساوية، فأبكي بحرقة، أتذكر الحرب والحصار والبغض وخطاب الكراهية، وكيف انقلبت الصورة، وساد خطاب الحب والمبادرات النبيلة، هو بكاء الفرح، يسألني فادي جزعاً: ليش عم تبكي بابا؟ في حدا مات؟

– لا ياولدي فادي، هذه المرة من ماتَ عاش
فادي: كيف هيك؟
– الضمير السوري هو الذي عاش مجددأً ياولدي، أصالة أهلنا ونبلهم تجري في دمائهم.