خليل سرحيل
تداولت صفحات التواصل الاجتماعي منذ أيام منشورات عن انفجارات تحصل في قلعة دمشق. تبين لاحقاً أنها كانت مجرد ألعاب نارية قدمها صديق العريس، ليلة عرس صديقه الذي أقيم في قلعة دمشق. دفعت هذه الحادثة السوريين للسؤال عن البذخ وحدود البذخ. كثيرون قاموا بإعادة تصنيف طبقتهم الاجتماعية ليدركوا أنها ربما تكون أقل بكثير من “فقيرة”. جعلت البعض يتذكر أصوات الأحلام المدفونة حية، الأصوات غير المسموعة للحرب. والبعض تساءل عن قلعة دمشق القديمة، لماذا نحن ممنوعون من زيارتها؟ ولماذا قد يغلق موقع أثري أبوابه أمام فئة من المواطنين (ممن يسمون عامة الشعب)؟

كنت أستمع لهذه التساؤلات وأرقب شعور الناس بالامتعاض الشديد من هذا الإقصاء، لأفكر فيمن لا يستطيع زيارة أي موقع أثري كل حياته، ليس ذلك فحسب، بل إن أمر المنع الشفهي هذا يكاد يكون بديهياً وعادياً، بل ومشروعاً.
هؤلاء هم ذوو الإعاقة السوريون، ممن يمر العمر أمامهم ولا يعرفون شكل القلاع ولا المتاحف أو المعابد والكنائس، يشعرون بانتماء لمكان أو أثر ولا يستطيعون الاتصال به. يسمعون عما يدل على تاريخ بلادهم، لكنهم لا يستطيعون رؤيته إلا على التلفاز وقد يكون هذا على بعد مئات الأمتار عن منازلهم. لسبب غير مفهوم، تم تصوير هذا الحق بأنه ترف، كماليات ولزوم ما لا يلزم. في وقت تركتنا الحرب لنصبح أول بلد في العالم بأعداد أصحاب ذوي الإعاقة، وواحد من أكثر الدول التي تدمرت آثاره ومواقعه نتيجة الصراع الدموي، يبدو طرح موضوع الإعاقة والآثار غير ملح أو مستعجل، وهو كذلك. لكن بما أن الألعاب النارية أضاءت ذاكرتنا ليس بصور آثارنا التي اشتقنا لها، وإنما بكوابيس الحرب التي تلاحقنا، فدعونا نتحدث عن أحد حقوقنا المسكوت عنها.
بوجود أكثر من 4500 موقع سياحي أثري في سورية يظهر سؤال ملح وضروري. ما هو عدد المواقع الأثرية أو السياحية الموائمة لذوي الإعاقة في سورية؟ وهل تأمين إمكانية الوصول لهم إلى هذه الأماكن هو حق من حقوقهم القانونية؟ وهل التكلفة المادية لتهيئة هذه المواقع لحاجاتهم هي السبب لاستبعادهم؟
في بحث أجرته ديا معلوف كورقة تخرج من كلية السياحة العام الماضي، ظهر أن 95% من المواقع السياحية والأثرية في سورية غير مجهزة لاستقبال ذوي الإعاقة، وأن الغالبية العظمى من الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية غير قادرين على القيام برحلة سياحية بأنفسهم في سورية.
رغم أن قانون الإعاقة السوري الصادر في الشهر الماضي يتحدث عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى الخدمات المختلفة، إلا أنه لم يلزم الجهات المعنية بضرورة تهيئة الأماكن الأثرية والسياحية وحتى الفنادق والمطاعم لتكون متاحة وصديقة للزائرين من ذوي الإعاقة.
ففي المواقع الثرية، لم نر أي رامب خشبي موضوع أو حتى أدلاء سياحيين يستطيعون التعامل مع السياح من ذوي الإعاقة السمعية أو البصرية. ليس من أجل ذوي الإعاقة السوريين فقط، بل من أجل السياح القادمين من الخارج.
وكمثال على السياحة الصيفية على البحر المتوسط، يوجد موقع واحد في كفرسيتا في طرطوس موائم لذوي الإعاقة وسهل الوصول. مع العلم أنه حديث التأهيل. أما بقية المنتجعات والفنادق تتفاوت نسبة المواءمة فيها.
يقول أيهم عن رحلته الى منتجع لاميرا بتصنيف 5 نجوم في اللاذقية: استخدمت الرامب المخصص لعربة الحقائب في الدخول والخروج من الفندق لأن الرامب الرئيسي قصير وحاد، واستعضت عن السباحة بالبحر المالح. باستخدام المسبح الموجود. فالطريق إلى شاطئ المنتجع رملي، ولا أستطيع السير على الرمال بكرسيّ المتحرك. على الرغم من وجود حلول بسيطة وغير مكلفة تسهل وصولنا إلى الشاطئ وتزيد من ربحية المنشآت السياحية، لا نزال نعامل على أننا كائنات خلقت كي نحمل على الأكتاف. وهذا هو واقع الفنادق من تصنيف الـ 5 نجوم. فكيف يكون ذو النجمة الواحدة؟

وتتضمن تهيئة المواقع لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة وتوفير تجربة متكاملة، عمل ممرات ممهدة ومنحدرات للصعود والهبوط، ما يسهل حركة الكراسي المتحركة، ووضع لوحات إرشادية برمز الإعاقة في اتجاه الممرات المخصصة وتوفير ترجمة بلغة الإشارة لذوي الإعاقة السمعية عند الحاجة، بالإضافة إلى تطوير وتجهيز دورات المياه طبقاً للمواصفات العالمية لتتناسب مع حاجات الزائرين من ذوي الإعاقة وكبار السن والأطفال.
يقول منير، أذكر عندما كنت طفلاً ونظّمت المدرسة رحلة إلى قلعة الحصن. لم أذهب بطبيعة الحال، ولم يتساءل أحد من الطلاب والمدرسين، لمَ لمْ أذهب، كأنه الشيء الطبيعي والبديهي لطفل لا يستطيع الوقوف على قدميه. لقد بقيت لسنوات أستمع من رفاقي عن ذكريات هذه الرحلة، وعندما ألمح قلعة الحصن في أي برنامج سوري، أركض لأرى ما الذي فاتتني وحلمت بزيارته في أحلام اليقظة.
تكمن حجة تتكرر كثيراً بشكل صريح أو غير صريح، أن تهيئة هذه الأماكن لاستقبال ذوي الإعاقة، ستكون “مخربة” للمواقع، وستؤذي المشهد البصري والمعماري بالرامبات والممرات، عدا عن كلفتها العالية. لكن هذه الحجة تسقط إذا ما نظرنا لكل مواقع التراث العالمي، من الكولوسيوم في روما وقصر الشانزليزيه في ضواحي باريس وصولاً إلى الأقصر في مصر وبترا في الأردن. كلهم يوفرون هذا الحق بالوصول، باعتباره حقاً أساسياً لجميع الناس. ليس هذا فحسب، بل أن الحجة الثانية المتمثلة بالتكلفة المادية، لا تبدو مقنعة إذا ما وضعت على المحك.
تؤكد الأستاذة نسرين فاروق حسن، أهمية ضمان حق الأشخاص ذوي الإعاقة في السياحة الميسرة في مراحل تصميم المشاريع والمخططات، وتهيئة الظروف والبيئة المناسبة لهم وتمكينهم من هذا الحق، لافتاً إلى أن السياحة الدامجة الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة لها مردود اقتصادي وفائدة استثمارية عالية؛ إذ يُقدر عدد الأشخاص ذوي الإعاقة حول العالم 180 مليون سائح إلى جانب عشرات الملايين من السياح كبار السن.
وتمثل شريحة ذوي الإعاقة سوقاً محتملاً وقوياً لصناعة السياحة، بفروعها المختلفة، ثقافية كانت أم علاجية أم دينية. وكمثال، اختارت اللجنة الأوربية العام 2004 ليكون العام الأوربي لسياحة ذوي الإعاقة. وكان الهدف من هذه المنافسة التشجيع لتبني النهج وضمان المنفعة الاقتصادية مقابل تطبيق الحقوق وتسهيل وصول ذوي الإعاقة للمواقع. وفي الولايات المتحدة الأميركية، عقد المؤتمر الدولي الأول للسياح من ذوي الإعاقة، وتبين أن متوسط صرف الشخص من ذوي الإعاقة في الرحلة يصل أكثر من 3000 آلاف دولار.
أما سياحة ذوي الإعاقة في الوطن العربي، تعتبر منتجاً حديثاَ لم ينل بعد ما يستحقه كمنتج متنام وفي صعود مستمر. تفوقت فيه مصر بمواءمة معبد الكرنك ومدينة الأقصر الأثرية.
في سورية يبدو الوضع مختلفاً ومعقداً، ومتروكاً “كل واحد وحظو”. السؤال، من يجب ان يقدّر ويعتز بأوغاريت وحصن سليمان ومعبد جوبيتر ومعبد بعل وتدمر؟ ومن يجب أن يفتخر بقلاعه وحصونه وتراثه، إن كان الوصول إلى هذه المواقع صعباً وشبه مستحيل؟.
لا يجب تصنيف زيارة مواقعنا الأثرية على أنها رفاهية، أو اعتبارها ترفاً لأنها من الممكن أن تعطينا أجوبة عن جذورنا وماضينا بالقدر الذي تجعلنا نتحمل مصاعب المستقبل بقوة.
هذه الأماكن، تلعب دورًا حيويًا في تشكيل هويتنا الثقافية وإحساسنا بالانتماء لهذه الأرض بكل ثقافاتها المتنوعة وكل قصصها الجميلة والحزينة. هذه الأماكن لنا وليس من المقبول أن يكون كلُّ ما أمكن رؤيته من مكان أثري في بلدك بعض الألعاب النارية التي لم تحمل لك إلا ذكريات الحرب وأصواتها.
