حلب- رحاب الإبراهيم
منذ كانت طفلة رضيعة فقدت أسماء تاج الدين الحسن ساقها خلال الحرب، لتبدأ بعد سنوات رحلة البحث الشاقة عن تركيب طرف اصطناعي يمكنها من عيش طفولتها التي حرمت منها منذ خلقت، كما حرمت من والدتها، حسب ما يقول عمها حاتم الحسن، الذي يتابع علاج ابنة أخيه.
ويضيف: رغم صغر سنها كانت تعتمد على عكاز تسبب لها بالآلام في قدمها، لكن بعد إجرائها عملية قص العظم بثلاثة أشهر توجهنا إلى مركز إعادة التأهيل البدني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر من أجل تركيب طرف اصطناعي لساقها كونه المركز الوحيد الذي يقدم تركيب الأطراف للأطفال في مدينة حلب بلا دفع أي تكلفة مادية.
ويؤكد الحسن أن أسماء غيرت الطرف الاصطناعي ثلاث مرات في المركز ذاته بسبب نموها المستمر، لتتغير بذلك حياتها للأفضل، بعد أن أصبحت تعتمد على نفسها وتذهب إلى المدرسة مع صديقاتها من دون أن تشعر باختلافها أو تتعرض لأي كلمة تؤذيها، والأهم عودة البسمة إلى وجهها وخاصة أنها معروفة بمشاكستها حسب قوله.
كانت الابتسامة تشرق بوجه أسماء وهي تتدرب في مركز إعادة التأهيل البدني، مع إطلاقها بعض “التنهدات” بين الحين والآخر، حينما كان يتحدث عمها عن حالتها وعلاجها الطويل، لتؤكد بكلمات قليلة أن حياتها تغيرت كلياً بعد تركيب الطرف الاصطناعي لساقها، فقد أضحت تقوم بكل شيء بنفسها وخاصة بعد وفاة والدتها، وتذهب إلى المدرسة سيراً على الأقدام من دون الاضطرار إلى الاستعانة بالعكاز الذي تكره.
المعاناة ذاتها عاشتها رهام هلال ذات الـ 12 عاماً، التي حكت لـ “إرادة” أنها تعرضت لبتر في قدمها منذ كان عمرها 4 سنوات، لكن مع تركيب طرف اصطناعي لقدمها وخاصة أن رجلها الأخرى تعاني من كسر في كاحلها أصحبت حياتها أفضل، إذا كانت تشعر أنها مهمشة ومختلفة عن صديقاتها لكنها اليوم تلعب وتذهب معهن إلى المدرسة كأي طفل عادي.
حالة رهام يتحدث عنها والدها عامر هلال وهو أب لثلاثة أولاد آخرين فيقول: قبل تركيب الطرف لقدمها كانت رهام تشعر بحساسية من وضعها وخاصة بعد ما كبرت وأصبحت تعي حالتها وتسمع كلام من حولها، لكنها اليوم تأقلمت مع وضعها، فتركيب الطرف الاصطناعي أتاح لها الاعتماد على نفسها بينما كانت تحتاج إلى المعونة حتى في أبسط الأمور، ويضيف: تعرضنا لصعوبات كثيرة لحين التمكن من العثور على مركز إعادة التأهيل البدني التابع للصليب الأحمر، فتركيب طرف اصطناعي مكلف جداً، ولا يسمح وضعنا المادي بتأمينه، لذا كان هذا المركز فرصة لاستعادة حياتها بدون دفع أي تكاليف، باستثناء تكلفة المجيء من الريف إلى المركز، فأجور المواصلات إلى المدينة عموماً مكلفة جداً.
أولوية المستفيدين
“إرادة” اطلعت على مراحل صناعة الأطراف الاصطناعية في مركز إعادة التأهيل البدني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي أنشأ عام 2015 ضمن قدرة إنتاجية محدودة مقابل الاحتياج الكبير جراء الحرب وتداعياتها، لكن تدريجياً توسع الكادر ليتمكن من استيعاب عدد أكبر من المستفيدين سواء أكانوا صغاراً أو كبار، علماً أن أولوية تقديم الخدمة تركز على الحالات الإنسانية الناجمة عن الحرب، وعموماً لا تقتصر خدمات المركز على تركيب الأطراف الاصطناعية وتزويد المحتاجين بالكراسي المدولبة أو الأحذية الطبية، حيث يضم المركز جلسات دعم نفسية فردية أو جلسات جماعية لدعم المستفيدين ومرافقيهم، من مقدمي الرعاية، إضافة إلى خدمات إعادة التأهيل الفيزيائي واستشارة طبيب.
ويشرح مهاب أنيس المسؤول عن برنامج إعادة التأهيل البدني أن استقبال الحالات لا تتم بشكل مباشر، فقناة التسجيل الأساسية تتمثل بالهلال الأحمر السوري، في مركز المعالجة الفيزيائي في منطقة الفرقان، الذي أصبح لديه قدرة على تقييم الحالات وتقديم المعالجة الفيزيائية قبل الإحالة إلى مركز إعادة التأهيل البدني لتركيب الأطراف الاصطناعية، التي تقدم وفق أولويات معينة، وأهمها الأطفال دون سن 18 عاماً.

تعديل كامل
ويبين أنيس أنه بعد الإحالة تقيم الحالة، مع أنه لا يوجد اختلاف مفصلي في تقييم حالات الصغار والكبار باستثناء أن البالغين يمكنهم الاستعانة بعكاز أو قد يكون الكرسي المتحرك كاف في حال كان البتر ثنائي الأطراف، لكن وضع الأطفال يختلف هنا، وهذا يفرض أن يكون الجهاز المركب سواء المقوم أو الطرف مناسب لوضعه كون حركة الطفل تكون أكبر، وهذا أمر يأخذ بعين الاعتبار، لذا يصمم الجهاز ليكون قابل للتعديل، فالأطفال من عمر 3 حتى 6 سنوات تبدل الأطراف لهم كل ستة أشهر بعد مراجعة حالاتهم، وكلما كبروا تعدل كل عام، موضحاً أن 90% من الأطفال فوق عمر الـ 10 سنوات تغير لهم الأطراف الاصطناعية بشكل كامل بحيث لا يعود التعديل كاف كل ستة أشهر بسبب النمو المستمر. وأشار أنيس إلى استفادة 2700 شخصاً من خدمات المركز منهم 600 طفل منذ عام 2015 وحتى الآن مجاناً، علماً أن فريق العمل يتكون من 22 شخصاً بين معالج فيزيائي وفنيي الأطراف وعمال الورشة.
احتياج كبير
يكاد يكون مركز إعادة التأهيل البدني التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر الوحيد الذي يقدم خدمة تركيب الأطراف للأطفال في حلب مع أن الاحتياج كبير جداً بسبب الحرب وتداعياتها بما فيها انفجار الالغام، التي رفعت نسبة الإصابات كثيراً، علماً أنه يوجد جمعيات عديدة تركب الأطراف الاصطناعية لكن للكبار فوق الـ18 في ظل تكلفتها المرتفعة خاصة أن الأطفال يحتاجون إلى تبديل مستمر للأطراف الاصطناعية بسبب نموهم المستمر، لكن منذ فترة قصيرة أعلنت جامعة حلب عن تأسيس مركز للأطراف الاصطناعية في قسم الهندسة “ميكاترونكس” يقدم هذه الخدمة المكلفة، رغم أنه لا يزال متواضع في خدماته كونه في البدايات، وهنا تتحدث ملك صلوح ماجستير “هندسة ميكاترونكس” التي تعمل في المركز مع أربعة مهندسين عن الخدمات التي يقدمها فتقول لـ”إرادة”: أنشأ المركز في شهر آب الفائت، ويقدم خدماته بشكل مجاني لجميع الأشخاص المحتاجين في عموم سورية وليس في حلب فقط، لتركيب الأطراف العلوية فقط وخاصة الأطفال كونهم في نمو مستمر، مشيرة إلى أن المركز رغم حداثة عهده إلا أنه قدم خدماته لـ12 حالة منهم 8 أطفال”.

صعوبات كثيرة
وتؤكد صلوح وجود صعوبات كثيرة تواجه مركز تركيب الأطراف الاصطناعية، أبرزها الكهرباء، التي قد تنقطع عند صناعتها، ما يتطلب تركيب خط دائم لا ينقطع في ظل كثرة الأشخاص المحتاجين لهذه الخدمة، وغلاء مستلزمات صناعتها وخاصة عند استيرادها إضافة إلى عدم القدرة على توفير مواد كالسيليكون المرتفع الثمن سيما عند استيراده بينما تكلفة إنتاجه محلياً أقل، لكن لا يوجد موارد مالية كافية، لذا حالياً يكتفي المركز بتركيب أطراف بلاستيكية.
وتشير صلوح إلى وضع خطة طموحة تهدف إلى تركيب الأطراف السفلية أيضاً لكن ذلك يبقى رهن توسيع المركز ودعمه بكل احتياجاته، مشيرة إلى أن رغم التعب والجهد وضعف المردود المادي لكن العمل في المركز يمنحها شعوراً إنسانياً مختلفاً وخاصة عند رؤية طفل يستعيد حياته وعيشها بشكل طبيعي دون تنمر أو جرح مشاعره.
وهو أمر يؤكده زميلها الشاب طالب الهندسة الميكانيكية عبد الكريم ملخ الذي يعمل في المركز كمتطوع بهدف مساعدة الأشخاص المحتاجين وخاصة الأطفال واكتساب خبرة بهذا المجال وخاصة في ظل الأعداد الكبيرة المصابين بالبتر، مطالباً المساهمة بدعم المركز بكل الطرق الممكنة على نحو يمكنه من توفير مواد السيليكون اللازمة لصناعة الأطراف وليس الاكتفاء بالمواد البلاستيكية، التي تكون ملفتة للنظر بشكل عام.
لا إحصائيات دقيقة
لا تتوافر إحصائيات دقيقة عن عدد المحتاجين إلى تركيب الأطراف الاصطناعية في مدينة حلب، بعد سؤال جميع الجهات المعنية عن ذلك ، لكن المؤكد أن الحرب تركت أثرها الكبير على ارتفاع عدد الأشخاص الذين بترت أطرافهم بسبب تداعياتها المستمرة وتحديداً لجهة انفجار الالغام، لكن تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية بين أن عدد الأشخاص الذين تعرضوا لبتر في أحد الأطراف جراء الحرب في سورية وصل إلى 86 ألف شخصاً بينما صرح المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط خيرت كابلاري أن هناك 3.3 مليون طفل يتعرضون لمخاطر المتفجرات على اختلاف أنواعها.
وبناء على حجم الاحتياج الكبير يبدو الدعم المقدم في مراكز تركيب الأطراف الاصطناعية وخاصة للأطفال محدود جداً وخاصة عند النظر إلى تكلفتها المرتفعة، فشراء الطرف الاصطناعي يعد معضلة كبيرة في ظل الضائقة المعيشية التي تلم بمعظم العائلات السورية، ولا سيما عند معرفة أسعارها الباهظة الثمن، إذ تبلغ متوسط تكلفتها بين 800 دولار إلى 1500 دولار تقريباً.