مياس سلمان
مر ما يقرب من شهر ونصف على التحرير وما رافقه من أفراح وصخب في الساحات العامة ونقاشات وجدل على وسائل التواصل الاجتماعي. لم تهدأ بعد رياح هذه العاصفة وأمطارها، بعد سنين من الجفاف السياسي. لكن ما هو في عين العاصفة، قد يبدو غير مرئي، وهو الحياة اليومية لملايين السوريين. الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أكثر من 90% من الشعب السوري المصنف تحت خط الفقر، والذي تفاقم كثيرًا لأسباب متعددة، أهمها الركود الاقتصادي، وعدم وجود الأموال، وتأخر وإيقاف الرواتب وغيرها من الأسباب. ولسان حال السوريين يجسد المثل القائل: “الجمل بليرة وما في ليرة!”.

موظفون أبرياء ومذنبون
ربما ما شهدته دمشق مؤخراً في الجامع الأموي من حالات تدافع وتزاحم لآلاف من الناس لأجل وجبة طعام واحدة وما نتج عنه من ضحايا، يعطيك صورة مصغرة عن حال أغلبية السوريين الذين وصلوا لمستويات من انعدام الأمن الغذائي لا توصف.
يأمل الكثيرون أن يشهد الاقتصاد السوري تحولات جذرية بالانتقال من النظام القائم على الاحتكار والتجويع والفساد إلى سياسة الاقتصاد الحر والعادل في الوقت نفسه، القائم على الانفتاح والمنافسة وتخفيض الرسوم الجمركية والسماح بانسياب دخول السلع والمواد من وإلى سوريا بحرية وسهولة.
منذ 8/12/2024 تم تسريح آلاف الموظفين في القطاع العام نتيجة قرار الحكومة الحالية الاستغناء عن العمالة الزائدة، إضافة إلى حرمان ما يقارب نصف مليون شخص بين عسكريين وشرطة ومتقاعدين عسكريين من رواتبهم بسبب طردهم من الخدمة لتبعيتهم للنظام السابق. هذا أدى إلى أزمة كبيرة لشريحة ضخمة. ربما نسبة لا بأس منها لم تكن تعيش على الراتب بقدر اعتمادها على الفساد المرافق للوظيفة، ولكن نسبة منهم أيضاً، كانت تعتمد على الراتب الذي، وإن كان لا يكفي، لكنه على الأقل كان يجنبها الجوع. وهؤلاء “راحوا بين الرجلين” كما يقال.
وحرم أكثر من خمسين ألف شخص من ذوي الإعاقة (جرحى حرب) من رواتبهم التقاعدية بسبب كونهم مقاتلين سابقين في الجيش السوري أو في القوات الرديفة، وإعاقتهم ناتجة عن إصابة في إحدى المعارك.
مجد (اسم مستعار) يقول: “كنت مجندًا في الخدمة الإلزامية في صفوف الجيش السوري، تعرضت لطلقة قناص في الظهر سببت تلفًا في النخاع الشوكي وشللًا سفليًا. أجلس على كرسي متحرك وأقول بحسرة: ماذا أعمل؟ توقف راتبي التقاعدي الذي لم يكن يكفي إلا ثمن قساطر وأدوية وخبز، ولا أستطيع القيام بأي عمل. أصبحت على قناعة تامة بأن الموت كان أرحم بكثير مما أنا فيه ومن خوف الأيام المقبلة.”
لبنى، مدرسة من طرطوس تعمل في ريف دمشق بعقد سنوي، قررت التخلي عن عملها نتيجة الخوف من الأوضاع الأمنية وصعوبة التنقل والإقامة والعيش مقارنة بضعف الراتب. ربما لبنى ضحية غير مباشرة للحرب وما أفرزته من مخاوف أثرت على كثير من مفاصل الحياة، وتحتاج لزمن طويل كي تستقر الأوضاع وتتضح الرؤيا.
على وقع الأسعار
أما فيما يتعلق بالأسعار، فقد ارتفع سعر بعض السلع وشهد البعض الآخر انخفاضًا ملموسًا، “بلغة الأرقام”، ارتفع سعر ربطة الخبز عشرة أضعاف. فبعد أن كان سعر ربطة الخبز كيلو ونصف 400 ليرة سورية، أصبح أربعة آلاف، ليشكل عبئًا قاسيًا جدًا على كاهل الأسر السورية الفقيرة.
أما أسعار المحروقات فقد تم تحريرها وفق الأسعار العالمية، ليصبح سعر المازوت لوسائل النقل العامة 13,400 ليرة سورية بعد أن كان 2,000 ليرة، مما أدى إلى ارتفاع أجور النقل حوالي أربعة أضعاف. فأجرة راكب البولمان من طرطوس إلى دمشق أصبحت 90,000 بعد أن كانت 25,000، مما أدى إلى حركة نقل ضعيفة بين المحافظات حتى أن أغلب شركات النقل خفضت رحلاتها والبعض توقف تمامًا عن العمل.
أما أسعار المواد الغذائية والمشروبات فقد انخفضت كثيرًا نتيجة تحسن قيمة العملة السورية مقابل الدولار، ودخول البضائع التركية بكميات كبيرة، فسعر كيلو لحم العجل انخفض من 175,000 إلى 90,000، أي حوالي النصف. كذلك الحال بأسعار السكر والرز والزيت والبرغل والبقوليات وغيرها من السلع الغذائية.
كما أن أسعار الخضار، وخاصة البطاطا والفواكه كالموز والبيض، شهدت انخفاضًا كبيرًا بالأسعار نتيجة ضعف القوة الشرائية وإزالة حواجز الفرقة الرابعة وجيش النظام السابق التي كانت تفرض رسومًا وإتاوات على النقل، مما أدى إلى غلاء الأسعار.
أبو عمر، سائق شاحنة ينقل الأعلاف من حلب إلى اللاذقية، قال: “إن تكاليف النقل انخفضت كثيرًا. كنت أدفع ما يقارب 600,000 للحواجز على الطريق كرشاوي، أما اليوم فأمر دون دفع ليرة واحدة، كما أن المسافة تقلصت إلى النصف بعد فتح طريق M4 المار من معرة النعمان وجسر الشغور، أحتاج فقط ساعتين للوصول من حلب إلى اللاذقية بعد أن كنت أحتاج حوالي خمس ساعات.”
أما الأسواق والمواد الأخرى كالأحذية والألبسة والمفروشات فتشهد المحلات ركودًا وكسادًا كبيرًا لم تشهد له مثيلًا بسبب ضعف القوة الشرائية عند الناس وانتشار البسطات العشوائية بكافة الساحات والمحافظات، وثقة الناس أن الأسعار ستنخفض أكثر مستقبلًا.
حدثني تاجر جملة يملك معرضًا كبيرًا للألبسة في مدينة مصياف عن انخفاض مبيعاته اليومية مما يقارب عشرة ملايين ليرة يوميًا إلى أقل من مئة ألف، وأحيانًا تمر ثلاثة أيام دون بيع قطعة واحدة. ويبرر السبب بخوف الناس من القدوم إلى مصياف أولًا، وضعف أو انعدام حركة الشراء لدى تجار المفرق.
كما أن أصحاب المهن الحرة يعانون من انعدام فرص العمل بسبب الركود، كعمال البناء والمكاتب العقارية والمحامين، نتيجة توقف عملية البيع والشراء للعقارات وتوقف الدوائر الحكومية عن نقل الملكية، في وقت تعمل المحاكم بالحد الأدنى. كما أن أسعار السيارات انخفضت كثيرًا مما أصاب مكاتب السيارات والمواطنين بخسائر كبيرة.
رأفت، تاجر سيارات، يقول: “اشتريت سيارة قبل سقوط النظام بـ 225 مليونًا، أما اليوم فلا أستطيع بيعها بأكثر من 50 مليونًا، وهذا يعني وجود خسائر ليست قليلة لتجار السيارات”.