الإرادة

آباء كثيرون للمظلومية، والحقيقة لها أمهاتها الثكالى

نشرت وكالة رويترز تحقيقًا استقصائيًا حول “مجازر الساحل” في سوريا، يوثق لانتهاكات مروعة. في وضع طبيعي كان يمكن أن يثير هذا التقرير غضباً إنسانياً ودعوات للمساءلة. لكن ما حدث، أن كثيراً من ردود الفعل السورية، سواء الشعبية أو حتى من النخب، مالت نحو الإنكار التام أو التبرير المحنك أو اللوم المسيس. أكثر من ذلك، كانت ردود الفعل هذه متوقعة، وغير غريبة عن حوارات السوريين مع بعضهم منذ سقوط نظام الأسد، وتقريباً هي امتداد لخطاب عدائي ومستنفر، امتزجت فيه نشوة الحرية مع الخوف من المجهول.

المظلومية وإدراك الحقيقة

عاش السوريون، على مدار ما يقارب أربعة عشر عامًا، ويلات ومآسي خلّفت ملايين الضحايا وعذابات لا توصف، كان المسؤول الرئيس عنها نظام بشار الأسد، حسب كثير من تقارير المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام ذات المصداقية بما فيها وكالة رويترز نفسها التي كانت أول من كشف عن جريمة الكيماوي، وشبكة تهريب الكبتاغون ومجزرة كرم الزيتون، وغيرها.

جاء تقرير رويترز الأخير ليكشف جرائم يعرفها الكثيرون، لكنها الآن موثقة عبر جهة محايدة وموثوقة إلى درجة كبيرة. استقصى التقرير عبر 200 مقابلة، مقتل ما يقرب من 1,500 شخص من الطائفة العلوية في 72 ساعة فقط خلال شهر آذار. جاءت هذه الأحداث بعد عدة هجمات من موالين للرئيس الفار بشار الأسد على حواجز للأمن العام خلفت 200 قتيل، حسب الحكومة السورية.

حدد التحقيق حوالي 40 موقعًا لعمليات القتل الانتقامية، وأعمال النهب والحرق. وحسب رويترز، تورط في هذه الأحداث ما يقرب من اثني عشر فصيلًا مسلحًا، بما في ذلك مجموعات تابعة لهيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى لواء السلطان سليمان شاه وفرقة الحمزة. وتتبع التحقيق سلسلة القيادة وصولاً إلى رجال يستلمون مناصب عسكرية في الحكومة الجديدة.

تم انتقاد تقرير رويترز بسبب تركيزه على الأهوال التي عاشها ضحايا مجازر الساحل ومروره السريع على جرائم قتل عناصر الأمن العام، إضافة لتجاهله التوترات المجتمعية والمعارك الأمنية التي سبقت المجازر، واتهامه بشكل مباشر الفصائل المتحالفة مع الحكومة السورية الجديدة في محاولة لتقويض شرعيتها. مع ذلك، فإن منبع الهجوم الرئيسي على التقرير والتشكيك في معلوماته ورفض الشهادات الواردة فيه لا يبدو أنه مبني على منطق عقلي تحليلي، بقدر ما يعود لجذور نفسية غرائزية.

خلال الأشهر السابقة، أصبح أي حديث عن أي تجاوز أو انتهاك أو حتى مجزرة، يمثل تحديًا مباشرًا بين السوريين. كثير من الذين عارضوا نظام الأسد، أو كانوا ضحاياه رفضوا “الدعاية المبطنة” للانقلاب في الأدوار، من الضحية المظلومة إلى الجاني المتهم، وهي دعاية ظالمة ومسيسة لكثيرين بطبيعة الحال. لكن الرفض تحول لإنكار أو تبرير أو التقليل من شأن وقائع معينة لأنها غير مريحة وغير منسجمة مع سردية “الضحية” أي أن إدراك الحقيقة نفسه أصبح يمر عبر عدسة الماضي وليس ما يحدث الآن. فـ”المظلومية” أصبحت جزءاً من هوية جماعية، وهذا قد يشرح العنف المرافق لأي نقاش سياسي في الوقت الحالي.

من الواضح أن هذا التصور الجماعي هو “متخيل” وليس حقيقياً، لأن الجماعات لا تكون ضحية أو جانياً بالمعنى القانوني، وإنما الأفراد، إلا أن زحزحة هذه التصور الجماعي للهوية، ينظر له كتهديد لمكانة الجماعة الأخلاقية وحجم تضحياتها ويُشكك بمشروعية نضالاتها.

الخوف من "سلب الشرعية"

عندما انتشرت تقارير عن اختطاف النساء أو أحداث جرمانا أو حتى ضرب صحفي في الشارع، فإن رد الفعل من بعض الذين يحملون مظلومية سابقة لم يكن بالضرورة تقييمًا موضوعيًا للحقائق أو تحليلاً للمعلومات. بدلًا من ذلك، تحول إلى نوع من المقارنة التنافسية للألم. تقرأ عبارات مثل “هلق سمعنا صوتكم، وماذا عن جرائم الأسد على مدار 14 عامًا؟” أو “صرعتونا… عندما متنا لم يسمع أحد صوتنا ولم نسمع صوت أحد يتعاطف معنا”، “في مليون شهيد، أول شي بنزعل عليهم ليجي دوركم”. كأن الاعتراف بمأساة جديدة يقلل من حجم المأساة القديمة. او كأن جريمة أصغر من جريمة كبيرة يُسقط عنها جرميتها وبشاعتها. منطق لا يسعى للعدالة، بل يسعى لإعادة توزيع اللوم أو حتى تبرير أفعال بشعة لأن “الطرف الآخر فعل ما هو أسوأ بمراحل”.

هذه الحالة من التشنج ليست جديدة في تاريخ الصراعات، وغالباً، فإن رفض الاعتراف بالانتهاكات اليوم من قبل بعض من عانوا الأمرين على يد النظام الأسدي، لا ينبع من تأييد لمرتكبي الانتهاكات، بقدر ما ينبع من خوف عميق: الخوف من أن يتم تجاهل معاناتهم الطويلة، أو أن يتم تقليل حجم خسائرهم، و”سلب الاعتراف بهم كضحايا”. يصبح الاعتراف بالضحايا الآخرين، الذين تبدو معاناتهم أقل شأناً، تهديداً لمركزهم كـ”مظلومين أصليين”.

هذا الخوف يؤدي إلى ظاهرة مؤلمة: أن يتحول من تعرض للظلم إلى منكر للظلم الواقع على غيره. تصبح المظلومية حاجزًا يمنع رؤية الحقيقة الكاملة والمتعددة الأوجه للصراع. بدلًا من التضامن مع الضحايا، بغض النظر عن هويتهم أو من ارتكب الجرم بحقهم، نرى تنافسًا على الألم ومحاولة لحصر “الحقيقة” في جانب واحد فقط.

العدالة المشتتة

الحاجز النفسي العميق الذي يمنع التعاطف بين السوريين هو عدم المحاسبة وبدء مسار العدالة. فالضحية التي لم يتم إنصافها، تعويضها، محاسبة مرتكبي الجريمة ضدها، ستبقى أسيرة مظلوميتها.

لقد تطورت “المظلومية” الجماعية في سوريا إلى ما هو أبعد من مجرد وصف للمعاناة الماضية لتصبح أداة للمناورات السياسية الحالية والشرعنة الأخلاقية. هذا الاستخدام للمظلومية يحول التجربة الإنسانية المشتركة إلى منافسة ذات محصلة صفر، حيث يُنظر إلى الاعتراف بمعاناة “الآخر” على أنه يقلل من رأس المال الأخلاقي للمجموعة وشرعية قضيتها.

إن التفكير القائم على المظلومية التنافسية يعوق بشدة أي مسار حقيقي نحو العدالة الشاملة. العدالة لا يمكن أن تكون مجزأة، ولا يمكن أن تختص بطرف دون آخر. الاعتراف بالجرائم، سواء كانت “مجازر الساحل” أو القصف بالبراميل المتفجرة أو استخدام الكيميائي، يجب أن يكون شاملًا ومحايدًا، يستند إلى الأدلة لا إلى الولاءات.

السؤال اليوم، كيف يمكن تجاوز هذا المفهوم الضيق للمظلومية. كيف يمكن إعلاء شأن الحقائق؟ كيف يمكن للاعتراف بالمعاناة ألا تكون لعبة محصلتها صفر، وإنما محصلتها “تطبيق القانون”؟.