الإرادة

“نحن من هناك”: سيرة جيل لاجئ في زمن التيه السوري

الخط

ييروي الفيلم الوثائقي **"نحن من هناك"** حكاية الشقيقين الدمشقيين ميلاد وجميل خوام، اللذين دفعهما انسداد الأفق في سوريا، قبل الحرب وخلالها، إلى البحث عن حياة أكثر أمناً وكرامة خارج البلاد. يعيش ميلاد اليوم في برلين موسيقياً، بينما استقر جميل في استوكهولم عاملاً في مجال النجارة، بعد رحلة هجرة طويلة وشاقة بدأت من دمشق مروراً ببيروت، ثم عبر طرق التهريب الخطرة نحو أوروبا. يقدّم الفيلم، الذي أخرجه وسام طانيوس، قراءة إنسانية لتجربة الهجرة بعيداً عن الصور التقليدية للحرب والدمار. فلا تظهر المعارك أو السجون بشكل مباشر، بل تنعكس آثار الحرب في التفاصيل اليومية الدقيقة: القلق، الشعور بالاقتلاع، والعمل المضني في مجتمعات جديدة يصعب فهمها أو الانتماء الكامل إليها. تصبح الغربة هنا حالة داخلية أكثر منها جغرافية، إذ تبقى دمشق حاضرة في ذاكرة الشقيقين رغم المسافة، كمدينة تسكنهما بقدر ما يسكنانها. العلاقة الشخصية التي تجمع المخرج ببطلَي الفيلم، وهما ابنا خاله، تمنح العمل طابعاً حميمياً واضحاً، خصوصاً مع اعتمادهما على تصوير أجزاء من رحلتهما بأنفسهما منذ لحظة الاتفاق مع المهرّب وركوب القارب المطاطي وصولاً إلى الاستقرار في أوروبا. هذه المشاركة المباشرة تمنح السرد صدقية عالية، وتحوّل الفيلم إلى شهادة ذاتية عن جيل كامل

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

في برلين، يعيش ميلاد خوام كموسيقي، بينما يعيش شقيقه جميل في استوكهولم كمعلم في ورشة نجارة. جميل وميلاد دمشقيان في النصف الأول من عشرينيات أعمارهما، أرادا أن يغيرا حياتهما؛ ففي دمشق سأم وملل وقرف بسبب الفساد السرطاني، ومستقبلهما غامض، فليس باستطاعة أيٍّ منهما أن يؤسس لعائلة، أو أن يتزوج زواجاً كريماً متواضعاً، وأن يؤسس أسرة لا تخشى غياب اللقمة أو الأمان. وزاد الطين بلّة استعـار الحرب في سوريا واشتداد أوارها، فصارت الحياة أكثر قلقاً وخوفاً، خصوصاً أنه من الممكن أن تطلبهما السلطات الحكومية لقتال الثوار، وكلاهما لا يريد أن يكون قاتلاً أو مقتولاً في حرب لا تعنيهما في شيء. كل ما يريدانه عمل كريم وأمان لا ينضب وكرامة لا تغيب. لذلك كله ابتعدا عن دمشق واستقرا مؤقتاً في بيروت.

  •  
بطاقة فلم «نحن من هناك» (We Are from There) 
 
    • فيلم وثائقي
    • إخراج: وسام طانيوس
    • سنة الإنتاج : 2020
    •  الجوائز: توج الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجائزتين في دورة 2020. وحصل في مهرجان سينما القارات الخمس (F5C): على جائزة “Coup de Coeur Du Jury”
    • عرض في مهرجان روتردام السينمائي، مهرجان الفيلم العربي في فامييك (فرنسا)، ومهرجان لوس أنجلوس لسينما آسيا والمحيط الهادئ (2021)، ومهرجان “Watch Dogs” في بيلاروسيا..

لكن بيروت قاسية؛ فقد عاشت حرباً أهلية طاحنة، وهي بلد محكوم من قبل إيران وحزب الله وشلة من السياسيين يمكن نعتهم بتجار السياسة برأسمال طائفي، رأس مال رابح تغذيه علاقات دولية وإقليمية مشبوهة، وتحالفات هشة، وخنوع لدول النفط الزفت. بيروت التي تعيش على صفيح ساخن، كل لحظة من ليلها أو نهارها قابلة لأن تكون لحظة انفجار لا يُعرف عقباه. لذلك كله يقرران السفر إلى أوروبا، والسفر طريق محفوف بالمخاطر، ابتداءً من مخاطر ركوب البحر، إلى مخاطر عبور الحدود تهريباً من تركيا إلى اليونان، إلى مقدونيا ثم صربيا والمجر، وصولاً إلى السويد. وبينما استقر جميل في السويد وبدأ العمل في مجال النجارة، امتدت رحلة ميلاد إلى ألمانيا واستقر في برلين.

العلاقة العائلية والرفاقية وطيدة ودافئة بين جميل وميلاد الدمشقيين وبين مخرج الفيلم وسام طانيوس. وقد رغب وسام أن يبقيا في بيروت، وهما ابنا خاله، إذ لعبوا معاً في دمشق وبيروت خلال زيارات عائلية طويلة أحياناً، وعملوا معاً في ورشة النجارة لخال المخرج، الذي كان شغوفاً بمهنة النجارة وبالتصوير بواسطة كاميرا يتقن العمل عليها كمصور يكاد يكون محترفاً. يستغرب المخرج وسام قرار جميل وميلاد بالهجرة والسفر، ويعبران له عن قلقهما من وجودهما في بيروت، فلا عمل سوى عمل جميل في كراج للسيارات، وبعض دروس الموسيقى التي كان ميلاد يعطيها كدروس خصوصية لبعض الأطفال، وهو عازف ترومبيت.

يقوم جميل وميلاد بتصوير رحلتهما منذ اتفاقهما مع المهرّب، وركوبهما القارب المطاطي، ووصولهما إلى تركيا ثم اليونان، إلى أن استقر كل منهما في دولة أوروبية؛ فجميل اختار السويد، بينما فضّل ميلاد السكن في ألمانيا، وتحديداً في برلين.

هناك في أوروبا الغريبة يسكن غريبان من دمشق؛ دمشق التي تسكنهما ويسكنانها، وهما ليسا سوى جسدين حيّين يعملان ويعيشان وينامان مبكراً ليستيقظا مبكراً استعداداً لعمل لا يرحم ومجتمع لا يُفهم.

الفيلم وثائقي يحكي قصة الألم؛ ألم فراق دمشق والأهل والأصدقاء، وتذكارات تفاصيل الساحات والشوارع الضيقة في دمشق، دمشق التي يسمعان أجراس خلاخيلها وهي تتمشى في دمهما كعاشقة. تكاد شخصيتا جميل وميلاد تشبهان شخصيات تشيخوف في مسرحيتي طائر النورس والشقيقات الثلاث وشخصيات قصصه الرائعة؛ إنها شخصيات تعيش ألم الواقع الممض، فتعيش ككسلى بانتظار معجزة تغيّر كل شيء، رغم أنها تحاول القيام بفعل التغيير لكنها تفشل، لأن الواقع أكبر منها وأكبر من طموحها، فتخبو وتفتر ويقتلهما الحنين؛ الحنين إلى هواء دمشق، إلى الغانية دمشق، دمشق ذاتها التي أنكرتْهما، بل لم ترهما. وهنا يكادان أن ينطقا بمقولة: لكل إنسان وطنان، وطن يعيش فيه ووطن يسكنه.

يشكو الفيلم من الإطالة الزمنية لكثير من المشاهد، وتكرار الحوار بطرق متشابهة، والافتقاد إلى بنية عاطفية تقود المشاهد/المتلقي إلى خلق عاطفة تخصه جرّاء مشاهدته للفيلم. كما يشكو من الحوار البارد والإلقاء البارد، كما في بعض المسلسلات والسينما اللبنانية. ثمة شجن عند شخصيات الفيلم، شجن بارد أيضاً، وزاد الطين بلّة المشاهد الطويلة، ما أطال زمن عرض الفيلم إلى 80 دقيقة. لكن ما يمتاز به فيلم “نحن من هناك” أنه لا يتحدث عن الحرب مباشرة؛ فليس ثمة بارود ولا دم ولا زنزانات، بل حياة داخلية للناس، حياة تعكس الحرب في تفاصيل اليوم والغد والحلم البعيد.

يقول وسام طانيوس، مخرج الفيلم:
“بس جميل وميلاد قالولي بدن يفلّوا تفاجأت… وبس بلشت الحرب بسوريا كنت شوف كتير شباب من عمري عم بخاطروا بحياتن ويفلّوا… ولا مرة كنت متوقع أنو ولاد خالي اللي كنت العب معن وأنا صغير رح يعملوا ذات الخطوة ويرجعوا يبلشوا حياتن من الصفر.”

لكن جميل وميلاد نفّذا قرارهما وركبا الأمواج وصارعا التشتت في طريق طويلة بدأت من سوريا ولبنان وصولاً إلى تركيا ومنها إلى اليونان. لقد كان حلمهما كبيراً إلى حد جعلهما يبذلان كل ما في استطاعتهما لتحقيقه. اليوم يعمل ميلاد في مجال الموسيقى ويعيش في برلين، بينما يواصل جميل عمله اليدوي نجاراً في استوكهولم. كل منهما يخوض تجربته على حدة، وهو ما تطلّب من المخرج ملاحقتهما لمدة خمس سنوات متتالية، متابعاً خطواتهما في بلاد الهجرة.

ويضيف وسام طانيوس أن أفلاماً كثيرة أُنجزت حول اللاجئين السوريين الذين شتّتهم الحرب، لكنه شخصياً رفض استخدام هذا المصطلح في عمله، لأنه يعتبر قريبيه هاجرا كمواطنين يحلمان لا كلاجئين محبطين. ويقول: “لم يهمني البعد السياسي بقدر ما همني تسليط الضوء على البعد الإنساني، فقصة الفيلم يمكن أن تنطبق عليّ شخصياً وعلى عدد من شباب اليوم؛ لأنها مجبولة بالأحاسيس التي يمكن أن تخالج أياً منا.”

وعن المصاعب التي واجهها خلال تنفيذ الفيلم يقول وسام:
“لقد تشتّت بدوري وسافرت إلى أكثر من بلد كي أكون على مقربة منهما. وعندما كانا يجلسان أمام الكاميرا كان كل شيء يتغير فيصبحان شخصين لا أعرفهما، فالكاميرا لها رهبتها وتمارس تأثيرها على أيٍّ منا عندما نتحدث عن حميمياتنا، وهذا ما حصل مع ابنَي خالي.”