كريم خربوطلي
ملخص المحتوى:
نتائج التعليم الأساسي في سوريا لعام 2025 سجلت نسبة نجاح متدنية (49%)، لكن الكارثة الأكبر كانت رسوب معظم الطلاب الصم بسبب فاقد تعليمي كبير، غياب مناهج مكيفة، نقص كوادر مؤهلة، وحرمانهم من مترجمي لغة الإشارة في القاعات. شهادات من مترجمين وأهالٍ أكدت أن المشكلة تشمل أيضًا غياب الدعم النفسي، وحاجز اللغة، وعدم وجود إحصاءات رسمية عن عدد هؤلاء الطلاب أو نسب نجاحهم، ما يجعل قضيتهم غير مرئية. الجميع دعا إلى تحرك عاجل لضمان حق الصم في تعليم عادل ومنصف.
في لحظة إعلان النتائج، امتلأت منصات التواصل بأصوات الناجحين و الغاضبين ، لكن خلف الضجيج كان هناك صمت أثقل من أي ضجة… صمت طلاب صمّ قضوا عاماً كاملاً يحلمون بيوم يرفعون فيه شهاداتهم بفخر، فإذا بهم يواجهون ورقة بيضاء وواقعاً أقسى من أي سؤال.
أحلامهم اصطدمت بجدار من الضعف التعليمي، والحرمان من الترجمة، والمناهج التي لم تُكتب بلُغتهم، حتى صار النجاح بالنسبة لهم حلمًا بعيد المنال. وبينما يتصدر “الرسوب” التريند، يظل سؤالهم الأهم معلقًا: هل سيسمعهم أحد؟
ضعف تعليمي وجيل بلا حافز
في صباح الجمعة 8 آب 2025، أعلنت وزارة التربية والتعليم السورية نتائج امتحانات شهادة التعليم الأساسي “العام والشرعي” للعام الدراسي 2024-2025. النتيجة كانت صادمة: نسبة النجاح لم تتجاوز 49%، في تراجع حاد عن العام الماضي الذي سجل 66%. لكن وسط الجدل الكبير حول هذه النسبة، برزت قضية أكثر إيلاماً… قضية تكاد تمر بصمت: رسوب شبه كامل للطلاب الصم.
فرح التل، مترجمة لغة الإشارة، شاركت تجربتها على “فيسبوك” بعد إشرافها على دورة مكثفة لطلاب الصف التاسع من الصم. تقول:
“انصدمت من مستوى الطلاب… بعضهم لا يعرف حتى جدول الضرب! كانوا متحمسين ويتعلمون، لكن النتيجة: رسب الجميع”.
وترى فرح أن سنوات من “التعاطف المفرط” داخل قاعات الامتحان، بدلاً من تقديم تعليم فعلي، صنعت جيلاً اتكالياً لا يرى ضرورة لبذل جهد حقيقي. وتضيف إن غياب مناهج مكيفة للصم، وضعف طرق التعليم، وغياب كوادر مؤهلة، كلها أسباب متراكمة أوصلت الطلاب إلى هذا الواقع المؤلم.
حرمان داخل القاعات
سارية شربجي، صانع محتوى أصم، يؤكد أن الحرمان من وجود مترجم لغة إشارة في القاعات الامتحانية جعل الطلاب يواجهون الورقة وحدهم. فالكادر المرافق غالباً لا يجيد لغة الإشارة، ما يعني أن الطالب الأصم قد لا يفهم صيغة السؤال أساساً.
“عملنا دورات مجانية طوال السنة، وكانوا يفهمون عندما نشرح لهم بلغة الإشارة… لكن في القاعة لم يجدوا من يشرح لهم، فكيف سينجحون؟”.
ويستعيد سارية تجربته الشخصية، حين ساعده دعم عائلته ومعلمة خاصة على استيعاب المواد وتحقيق التقدم. بالنسبة له، المسؤولية مشتركة بين الأهل والمدرسة والطالب نفسه.
الألم النفسي لا يقل خطورة عن الفشل
بيان عبد، التي لديها أخت صماء، تدافع عن العائلات وتقول إن جهود الأهل غالباً تفوق ما تقدمه المدرسة. لكن المشكلة الحقيقية برأيها تكمن في غياب الدعم النفسي والتواصل الفعال داخل القاعات.
“أختي تعرف الإجابة، لكن عندما ترى ورقة الامتحان لا تفهم المطلوب… تبكي وتخرج منهارة، تقول لي: ما فهمت السؤال”.
وتحذر بيان من أن بعض الكوادر غير المدربة قد تزيد الأمر سوءاً بتعاملها السلبي مع الطلاب الصم.
مشكلة غير مرئية
حتى اليوم، لا توجد أرقام رسمية عن عدد الطلاب الصم المتقدمين أو نسب نجاحهم. هذا الغياب الإحصائي يجعل مشكلتهم غير مرئية أمام الرأي العام وصناع القرار، ويزيد شعورهم بالتهميش، ويصعّب إيجاد حلول عملية.
حاجز اللغة
لغة الإشارة لها بناء نحوي مختلف عن العربية المكتوبة، ما يربك بعض الطلاب المعتادين عليها عند قراءة الأسئلة، فيزيد احتمال الإجابة الخاطئة حتى لو كانوا يعرفون المعلومة.
صرخة من أجل العدالة التعليمية
بين ضعف تعليمي متراكم، ومناهج غير مكيفة، وحرمان من المترجمين، وغياب الدعم النفسي، يجد الطلاب الصم أنفسهم خارج دائرة العدالة التعليمية. ورغم اختلاف تجارب العائلات، إلا أن الجميع اتفق على أمر واحد: لا بد أن يصل صوت الصم إلى المسؤولين، وإلا ستبقى نسبة رسوبهم انعكاساً لرسوب المؤسسة التعليمية في امتحانها الأكبر… ضمان التعليم للجميع.
