الإرادة

الزيتون الغائب عن المونة هذا العام: موسم شحيح يثقل كاهل الأسر

الخط

من داريا إلى صافيتا، ومن ريف اللاذقية إلى أرياف حلب وإدلب، تتكرر الشكوى نفسها: أشجار الزيتون هذا العام شبه خالية، والمعاصر صامتة بعد أن كانت تضجّ بالحياة. تقديرات وزارة الزراعة تشير إلى أن إنتاج سوريا من الزيت لن يتجاوز 60 ألف طن فقط، بعدما كان يصل إلى 200 ألف طن في سنوات الوفرة، حين كانت البلاد تحتل المرتبة الثالثة عربياً والسابعة عالمياً بنسبة 4% من الإنتاج العالمي. في محافظة طرطوس، التي تضم نحو 11 مليون شجرة زيتون منها 10 ملايين منتجة، لم يتجاوز الإنتاج 25 ألف طن مقابل معدل سنوي يتراوح بين 150 و200 ألف طن. هذا التراجع الحاد حرم آلاف الأسر من مصدر رزقها، ورفع سعر بيدون الزيت (20 لتراً) إلى نحو مليون ليرة سورية، أي قرابة 90 دولاراً أمريكياً. يقول العم أبو سامر، وهو مزارع من ريف الشيخ بدر يعاني من إعاقة حركية: "كنت أبيع الزيت لأعيش، واليوم لا أملك حتى ما أطبخ به. أنتجت هذا العام 15 لتراً فقط بعد أن كنت أنتج مئات الليترات." تأثير الموسم لم يقتصر على المطبخ؛ فخشب الزيتون ومخلفات المعاصر كانت تُستخدم للتدفئة في الشتاء، ما يهدد بتفاقم أزمة الفقر والبرد معاً. في القرى، حيث الزيت رمز للحياة والكرامة، يشعر الناس أن موسم هذا العام لم يحمل سوى مرارة العجز وغياب البركة.

منصة إرادة- مياس سلمان
تصوير: محمد باسل حمود

في ريف طرطوس، لم تعد رائحة الزيتون تعبّئ الهواء كما في الأعوام الماضية، ولم تعد أصوات المعاصر تملأ الليل. الموسم هذا العام يكاد يكون معدوماً، كما تقول مديرية الزراعة التي قدّرت إنتاج المحافظة بنحو 25 ألف طن فقط، مقارنةً بمعدلٍ سنوي يتراوح بين 150 و200 ألف طن، بعدما شهدت المحافظة عام 2022 موسماً استثنائياً تجاوز 350 ألف طن. أي أن إنتاج هذا العام لا يتجاوز 15% من المتوسط المعتاد.

من داريا إلى صافيتا، ومن ريف اللاذقية إلى أرياف حلب وإدلب، تتكرر الشكوى نفسها: أغصان الزيتون بلا ثمر، والمعاصر شبه صامتة، والمواسم التي كانت تجمع الأيدي العاملة في البساتين مرت دون أن ترمي غلتها. هذا العام، إنتاج سوريا من الزيتون لن يتجاوز60 ألف طن من الزيت فقط، بعد أن كان يصل في سنوات الوفرة إلى حدود200 ألف طن، لتحتل البلاد آنذاك المرتبة الثالثة عربياً والسابعة عالمياً، بنسبة4%  من الإنتاج العالمي. أما اليوم، فيتشارك المزارعون من الساحل إلى الشمال حزنهم ذاته: موسم بلا زيت، وزيت بلا طعم الفرح.

بين لقمة العيش ومونة الشتاء

يقول المزارعون إن ضعف الموسم لم يحرمهم فقط من الزيت، بل من عملهم أيضاً. فـعشرات آلاف الأسر في طرطوس تعتمد على الزيتون كمصدر رئيسي للدخل ولتأمين مونة الشتاء. البعض يقطف من أرضه ويعصر حاجته، والبعض الآخر يعمل مقابل أجر أو نسبة من الزيت.

لكن هذا العام، خلت السلال من الثمار، وارتفع سعر بيدون الزيت (20 ليتراً) إلى نحو مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 90 دولاراً أمريكياً، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات الريفية.

الفقر يطرق الأبواب

غياب الزيتون يعني غياب الزيت عن الموائد. في الأرياف، يُقدَّر استهلاك العائلة بحوالي 20 ليتراً سنوياً، وكانت “مونة الزيت” تقليداً لا غنى عنه. اليوم، لا يستطيع كثيرون شراء الزيت أو حتى بدائله من السمن أو حتى الزيوت النباتية المهدرجة، لتتحول الوجبات اليومية إلى معادلة صعبة بين الفقر والعادة. “ما فينا نطبخ بلا زيت زيتون”، تقول إحدى النساء من ريف صافيتا، “طعمه وبركته غير أي شي تاني”.

حتى الدفء مهدد

لم يتوقف تأثير الموسم السيئ عند المطبخ. فخشب الزيتون الناتج عن تقليم الأغصان إلى جانب مخلفات المعاصر (التمز) كانت مصدراً أساسياً للتدفئة في الشتاء. ومع قلة التقليم وتراجع الإنتاج، تضاءلت أيضاً كميات الحطب. بعض المزارعين اضطروا إلى قلع الأشجار القديمة وزراعة أصناف أكثر مقاومة للطقس، في مشهدٍ يحزن من اعتاد أن يرى الزيتون رمزاً للثبات.

تضم محافظة طرطوس نحو 11 مليون شجرة زيتون، منها 10 ملايين منتجة، لكن هذا العام كان منظر هذه الأشجار خالية من الثمار، مؤلماً.

خسارة مضاعفة

في قرية صغيرة من ريف الشيخ بدر، يجلس العم أبو سامر أمام بستانه الصغير. رجل يعاني من إعاقة حركية في قدمه اليمنى وكان الزيتون مصدر رزقه الرئيسي. في المواسم الجيدة كان ينتج بين 300 و400 ليتر من الزيت، يستهلك منها مئة ويبيع الباقي ليؤمّن طعامه ودفئه. هذا العام لم ينتج سوى 15 ليتر فقط.

يقول بصوت خافت: “كأن السنة ما مرت علينا. الأرض عطشانة وأنا مثلها، ما عاد في شي نبيعه ولا نطبخ عليه.”

معاصر بلا حياة

المعاصر التي كانت تعجّ بالحركة، وتعمل على مدار 24 ساعة من منتصف أيلول حتى ما بعد رأس السنة، باتت هذه السنة شبه خالية. في بعض القرى، الحركة شبه معدومة، ويضطر أن يجتمع خمسة مزارعين ليكملوا الحد الأدنى المطلوب للعصر وهو 200 كيلوغرام فقط.

معصرة أبو عاطف، أقدم وأشهر المعاصر في منطقة الشيخ بدر، كونها مازالت تعمل بالطريقة التقليدية عبر استخدام حجر رحى تطحن الزيتون على البارد، وبشكل بطيء جداً مما يمنح قوام وطعم للزيت مميز وله نكهة خاصة. في السنوات السابقة كان على المزارعين أن يحجزوا دورهم على العصر قبل أربعة أو خمسة أيام وربما ينتظر يوم وأكثر أمام المعصرة. هذا العام يمكن للمزارع أن يعصر زيته خلال ساعة، والمعصرة تُغلق أبوابها باكراً عند الرابعة عصراً، رغم أن تشرين الأول كان دوماً ذروة موسم الحبة الخضراء السحرية.

لا موسم لعصر الزيتون هذا العام

ولا يختلف الحال كثيراً في باقي المحافظات السورية. فبحسب وزارة الزراعة، يقدَّر عدد أشجار الزيتون في سوريا بنحو 90 مليون شجرة، وتراجع الإنتاج هذا العام بنسبة 45% عن العام الماضي، مع توقعات بأن يبلغ الإنتاج الكلي 412 ألف طن من الزيتون، يُستخلص منها نحو 65 ألف طن من الزيت فقط. وللتذكير، عام 2022، أنتجت سوريا 990 ألف طن، ووصل إنتاج الزيت لحوالي 200 ألف طن

وتبلغ المساحة المزروعة بالزيتون نحو 679 ألف هكتار، أي ما يعادل 12% من إجمالي الأراضي الزراعية، ويصل عدد الأشجار إلى 101 مليون شجرة، منها 90 مليوناً مثمرة، وتضم البلاد أكثر من 70 صنفاً من الزيتون المنتج للزيت والمائدة.