فيلم "خطوة نحو الضوء" للمخرج فرحان المطر هو تجربة وثائقية تقوم على البساطة الصادقة والاقتراب الإنساني العميق من شخصياته. ينجح الفيلم في خلق حالة من الحميمية النادرة، حيث تبدو الحكايات كأنها تُروى لصديق لا لجمهور، ما يمنح السرد قوة وتأثيراً خاصاً. درامياً، يتصاعد العمل من أثر الحرب إلى رحلة الهروب بوصفها تحرراً داخلياً، وصولاً إلى لحظة إعادة اكتشاف الذات. ورغم بعض الملاحظات التقنية—خصوصاً في محدودية استخدام الصوت الحي والمؤثرات في لحظات الذروة—يبقى الفيلم متماسكاً، صادقاً، وقادراً على ملامسة المشاهد بهدوء وعمق. هو عمل يُشاهد ببساطة، لكنه يترك أثراً إنسانياً واضحاً، ويؤكد أن قوة الوثائقي تكمن أحياناً في صوته الهادئ لا في صخبه.
خاص: إرادة
في “خطوة نحو الضوء”، لا يتكئ الفيلم على الحدث بقدر ما يتكئ على الإنسان. لا يسعى إلى استعراض الحكاية، بل إلى الإصغاء لها. وهذا خيار جمالي وأخلاقي واضح، يضع العمل في مساحة دقيقة بين البساطة والعمق، مساحة نادراً ما تُدار بهذا القدر من الوعي.
خطوة نحو الضوء فيلم وثائقي | 30 دقيقة إخراج: فرحان المطر إنتاج: التمويل بالحب التصوير: ألمانيا وهولندا موسيقا البرومو: محمد علي
أول ما يفرض حضوره هو تلك البساطة المُخادِعة في بناء المشهد. شخصيات تتكلم بلا تكلّف، حضور هادئ، لغة بصرية غير متكلّفة، لكن خلف هذه السلاسة عمل واضح على تفكيك الحاجز بين الكاميرا والإنسان. النتيجة: إحساس نادر بالحميمية.
لا تبدو الشهادات موجّهة إلى “جمهور”، بل تُقال كفعل بوح، كأنها تُهمس في أذن صديق.
هذا التحوّل من “الخطاب” إلى “الاعتراف” هو ما يمنح الفيلم ثقله الحقيقي.
الوصول إلى هذه الدرجة من الصدق ليس أمراً تقنياً بحتاً، بل هو نتيجة حس إخراجي قادر على خلق بيئة ثقة، تُتيح للشخصيات أن تنسى الكاميرا وتستعيد صوتها الداخلي. وهنا ينجح فرحان المطر في أن يجعل من “الغياب” (غياب الصنعة الظاهرة) أداة حضور، حيث تتراجع الأدوات لصالح الإنسان.
درامياً، يشتغل الفيلم على تصاعد هادئ لكنه محكم. يبدأ من أثر الحرب بوصفها خلفية ممتدة في الوعي الجمعي، ثم يتقدّم نحو فكرة الهروب، لا كفعل مكاني فحسب، بل كتحوّل داخلي، ليصل إلى ذروة مشحونة في لحظة الرحلة، حيث يتكثف الخوف والقلق، قبل أن ينفتح على لحظة الوصول بوصفها إعادة تشكّل: اكتشاف الذات، وإعادة تعريف الإمكان.
هذا البناء، وإن بدا بسيطاً، قائم على وعي واضح في المونتاج وإدارة الإيقاع.
تقنياً، يقدّم الفيلم معالجة بصرية مدروسة، خصوصاً في تنويع الكوادر بما يخدم الحالة النفسية لكل شخصية. هناك وعي في الاقتراب والابتعاد، في متى نرى الوجه ومتى نرى المسافة. ومع ذلك، وفي لحظات محددة، خاصة في الذروة الدرامية، كان يمكن للصوت الحي والمؤثرات السمعية والبصرية أن تُستثمر بشكل أعمق لتعزيز الإحساس بالمخاطرة والقلق، لا فقط الإشارة إليهما. كما أن بعض اللقطات كان يمكن أن تكون أكثر ارتباطاً عضوياً بالسياق المكاني والسردي.
ورغم هذه الملاحظات، يبقى الفيلم متماسكاً في رؤيته، صادقاً في نبرته، وقريباً في أثره. لا يفرض نفسه بالصوت العالي، بل يترك مساحة للمُشاهد ليقترب، ليُصغي، وليُكمل المعنى.
العروض:
العرض الأول أُقيم في ستراسبورغ ضمن فعاليات آذار الثقافي التي نظّمتها Voices for Change Movement بتاريخ 27 مارس 2026.
العرض القادم سيكون في شارلفيل-مزيير بتاريخ 24 أبريل 2026، المدينة المرتبطة باسم الشاعر آرتور رامبو، مع مشاورات لعروض لاحقة في باريس وليون وتولوز.
“خطوة نحو الضوء” ليس فيلماً عن الرحلة بقدر ما هو عن القدرة على إعادة صياغة الذات داخلها.
فيلم يهمس أكثر مما يصرخ… لكنه يبقى.
