الإرادة

داريا تزرع أسماء الغائبين… والتين يشهد

الخط

مبادرة “حدائق التين” هي مشروع سوري يجمع بين البعد البيئي والإنساني لتخليد ذكرى الضحايا المدنيين والمغيبين قسرًا، عبر زراعة شجرة مثمرة باسم كل منهم. انطلقت المبادرة من إدلب وريف دمشق، ووصلت اليوم إلى داريا كأول حديقة في الغوطة الغربية. تقوم الفكرة على تحويل الشجرة إلى رمز حي للذاكرة، خاصة في ظل غياب القبور أو أماكن الوداع، حيث تصبح بمثابة “قبر حي” وشاهد صامت يستذكر من فقدوا. اختيار شجرة التين يحمل دلالة على الصمود والقدرة على النمو رغم القسوة. ولا يقتصر المشروع على الرمزية، بل يُعد فعلًا علاجيًا يساعد العائلات والمجتمع على التعبير عن الحزن واستعادة حقهم في الحداد، مع التأكيد على تخليد المدنيين الذين قُتلوا أو اختفوا ظلماً.

إعداد: ماريا قيومجيان

في بلدٍ أثقلته الحروب، لا يكون الغياب مجرد فقدٍ عابر، بل جرحاً مفتوحاً بلا قبورٍ ولا وداع. آلاف العائلات ما تزال تبحث عن أثرٍ، عن علامةٍ، عن مكانٍ تقف فيه لتقول: هنا كان لنا أحد. وبين هذا الفراغ القاسي، تنبت مبادرات تحاول أن تعيد للذاكرة شكلاً، وللحزن معنى.

من هنا تأتي مبادرة “حدائق التين”، كفكرة تتجاوز الرمز إلى الفعل، وتمنح الغائبين حضوراً حياً في الأرض التي شهدت غيابهم. ليست مجرد أشجار تُزرع، بل محاولة لكتابة الذاكرة بلغة الحياة، حيث تتحول كل شجرة إلى اسم، وكل غصن إلى حكاية، وكل ظلّ إلى مساحة لقاء بين من رحلوا ومن بقوا.

في داريا، كما في أماكن أخرى من سوريا، تكبر هذه الفكرة بهدوء… لكنها تحمل في جذورها سؤالاً كبيراً: 
هل يمكن للحياة أن تكون شكلاً من أشكال العدالة؟

في أماكنٍ اعتادت على الغياب، لا يأتي الجواب نظرياً… بل يُزرع.
مبادرة “حدائق التين” لا تحاول إنكار الفقد، بل تعيد تشكيله  تحوّله من فراغٍ صامت إلى حياةٍ تنمو ببطء، لكنها تبقى.

في داريا، المدينة التي اختبرت أقسى أشكال الغياب، تصل المبادرة كفكرة بسيطة… لكنها عميقة جداً
أن تتحول الشجرة إلى بديل رمزي عن القبر، حين يغيب الجسد ويُحرم الوداع.

 ما هي “حدائق التين”؟

هي مشروع سوري يجمع بين البيئة والعدالة الوجدانية، أطلقته دار إيبلا للثقافة والفنون، ليمنح الضحايا والمغيبين حضورًا جديدًا — لا في الذاكرة فقط، بل في الأرض نفسها.

الفكرة تقوم على:

زراعة شجرة مثمرة باسم كل ضحية مدنية
تحويل الأرض إلى مساحة تذكّر… لا تنسى
إشراك المجتمع في فعل جماعي من الحداد والاعتراف
 لماذا شجرة التين؟

اختيار التين ليس صدفة.
هي شجرة:

تعاند القسوة وتنمو في ظروف صعبة
تحب الحرية ولا تُروّض بسهولة
تعطي بلا ضجيج… ثمراً وظلاً وامتداداً.

لهذا تصبح الشجرة أكثر من رمز…
تصبح كائناً حياً يحمل اسماً، وحكاية، وغياباً لا يُمحى.

 بين الذاكرة والعلاج

في مجتمعات عاشت الفقد دون طقوس وداع، تتحول هذه المبادرة إلى فعل شفاء:

تفتح باب الحزن الذي أُغلق قسرًا
تعيد للناس حقهم في البكاء والاعتراف
تمنح العائلات مكاناً تقف فيه… بدل اللا مكان

هنا، الشجرة ليست مجرد غرسة…
بل شاهد صامت، وقبر حي، ومساحة لقاء بين الغائبين والأحياء.

من إدلب إلى النبك… وصولاً إلى داريا

حدائق التين ليست موقعاً واحداً، بل سلسلة تنمو عبر سوريا:

الحيش – جنوب إدلب (آب 2025)
دير مار موسى الحبشي – ريف دمشق (تموز 2025)
داريا – الغوطة الغربية (اليوم)

وكل حديقة… ليست نهاية، بل بداية حكاية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *