الإرادة

المرأة في الفضاء العام السوري: تغيّرات هادئة بين الظهور والغياب

الخط

في الصورة التي انتشرت قبل أيام لاجتماع الرئيس مع أكثر من خمسين صحفياً، يبدو المشهد متشابهاً إلى حد بعيد: صفوف من الرجال ببدلات رسمية داكنة، وجوه متقاربة أمام الكاميرا. في طرف الصورة تقف امرأة واحدة. وجودها واضح، لكنه يبدو هامشياً داخل إطار يهيمن عليه الرجال. ولم تعد مثل هذه الصور تثير الكثير من الانتباه، إذ أصبحت جزءاً من مشهد يتكرر في مناسبات رسمية عديدة في سوريا: اجتماعات حكومية، افتتاح معارض ثقافية، أو لقاءات سياسية. تظهر النساء أحياناً في هذه الصور، لكن غالباً في أطراف المشهد أكثر مما في مركزه. هذه التفاصيل البصرية تعكس تحولات أوسع في الفضاء العام السوري، تظهر أيضاً في قرارات وتنظيمات تبدو محدودة في ظاهرها. ففي اللاذقية مثلاً صدر توجيه يدعو النساء إلى تجنب “المكياج المبالغ فيه” في الأماكن العامة، بينما ظهرت في مناطق أخرى دعوات لتقنين اللباس أو فرض الحجاب والنقاب. وفي بلدة التل صدر قرار يمنع الرجال من العمل في محال الألبسة النسائية ويُلزم أصحابها بتوظيف نساء فقط. لكن هذا الغياب النسبي عن المشهد السياسي يتناقض مع حضور واضح للنساء في الحياة اليومية والعمل. فبعد سنوات الحرب والهجرة الواسعة للشباب، أصبحت النساء قوة عمل أساسية في كثير من القطاعات. في المدارس والبنوك والمؤسسات الخدمية، تتكرر صورة الموظفات والمعلمات والإداريات اللواتي يقمن بالعمل اليومي الذي يضمن استمرار هذه المؤسسات، بينما تبقى مواقع الإدارة العليا غالباً في يد الرجال. حتى في افتتاح معرض الكتاب الأخير بدت المفارقة واضحة: الرجال يتقدمون الصور الرسمية، بينما كانت النساء يقفن في أجنحة البيع، أو يبعن الورود عند المداخل، أو يدِرن بسطات صغيرة في الشوارع القريبة. وفي الفضاء الرقمي أيضاً، تتحول مشاركة النساء في النقاشات العامة أحياناً إلى ساحة للهجوم الشخصي، حيث يُستهدف الجسد والسمعة بدلاً من الأفكار. وسط هذه التحولات تبقى فئات من النساء أكثر غياباً عن المشهد، مثل النساء الفقيرات أو المعنفات أو ذوات الإعاقة، رغم حضور نسائي واضح في لقاءات أهالي المفقودين وورشات العدالة الانتقالية. لكن عندما تبدأ المنصات والكاميرات بالعمل، غالباً ما يكون المتحدثون رجالاً. هكذا تتكرر المفارقة نفسها: حضور نسائي واضح في التجربة اليومية، يقابله تمثيل محدود في السرد الذي يروي هذه التجربة.

منصة إرادة- مادلين جليس

في الصورة التي انتشرت قبل أيام لاجتماع الرئيس مع حوالي خمسين صحفياً، يبدو المشهد مرتباً بعناية: صفوف من الرجال ببدلات رسمية داكنة، أكتاف متلاصقة أمام الكاميرا ووجوه متشابهة، بينما تظهر امرأة واحدة، وكأنها تحاول أن تجد مكاناً لها في طرف الصورة، أو كأن وجودها جاء مصادفة، فعلى الرغم من حضورها الجسدي، إلا أنه يبدو شبه غائب، تماماً كما لو كانت جزءاً هامشياً لا تشغل حيزاً فعلياً في المشهد، بل تظل محشورة في زاوية نائية، متوارية خلف الحضور الذكوري الذي لا يخفي اكتفاءه بذاته.

لم تعد مثل هذه الصور تثير الكثير من الانتباه. فقد أصبحت جزءاً من مشهد يتكرر في مناسبات رسمية عديدة في سوريا: في اجتماعات الحكومة، وفي افتتاح المعارض الثقافية مثل معرض الكتاب، وفي اللقاءات السياسية المختلفة. صور تظهر فيها النساء أحياناً، لكن غالباً في أطراف المشهد أكثر مما في مركزه.، حضور كأنه تم في اللحظة الأخيرة، لا يختفي تماماً، لكنه يظل خافتاً داخل إطار يهيمن عليه الرجال.

قرارات صغيرة… إشارات أكبر

لا تظهر هذه التحولات في الصور الرسمية فقط، بل أيضاً في قرارات إدارية وتنظيمية تبدو محدودة في ظاهرها، لكنها قد تحمل دلالات أعمق على التوجهات الاجتماعية والثقافية التي بدأت تتبلور.

في مدينة اللاذقية، على سبيل المثال، صدر توجيه في مديريات الإدارة المحلية يدعو النساء إلى تجنب “المكياج المبالغ فيه” “نحت طائلة المسؤولية. قرار يعكس محاولات لتشريع الرقابة الاجتماعية على مظهر النساء وطريقة حضورهن في الفضاء العام، أو حتى إعادة تشكيل النمط الاجتماعي بشكل تدريجي.

في مناطق أخرى ظهرت دعوات لتقنين اللباس أو الترويج للبس النقاب كمعيار لظهور النساء في الأماكن العامة أو ملامح الفضيلة التي يتوقع من النساء تبنيها.

ففي بلدة التل، فقد صدر قرار يقضي بمنع الرجال من العمل في محال الألبسة النسائية، وإلزام أصحابها بتوظيف النساء فقط. و على الرغم من أن العمل النسائي في هذا المجال ليس جديداً، إلا أن هذا القرار يعكس محاولة لتحديد الأدوار الاجتماعية وفق رؤية معينة، حيث تُمنح النساء فرصة عمل مشروطة ضمن نطاقات محددة وواضحة، وكأنهن معزولات في أطر قد تبدو للبعض أكثر تحفظاً.

بين التمثيل والواقع

لم تكن علاقة المرأة السورية بالفضاء العام مستقرة حتى قبل هذه التحولات.

قبل سقوط النظام الأسدي، كان حضور النساء في المؤسسات السياسية يبدو أحياناً أكبر على الورق منه في الواقع.
كانت هناك نساء في مجلس الشعب، لكن وجودهن كان يوصف في كثير من الأحيان بأنه أقرب إلى تمثيل رمزي يضيف إلى صورة الدولة أكثر مما يغيّر في موازين القرار.

أما العمل النسوي، فقد ظل لعقود طويلة محصوراً إلى حد كبير ضمن إطار الاتحاد العام النسائي، المنظمة التي ارتبطت ببنية الدولة نفسها، وحددت إلى حد بعيد شكل النشاط النسوي وحدوده.

وفي المجتمع أيضاً، بقيت قضايا مثل جرائم الشرف والتمييز في قوانين الإرث جزءاً من النقاش الاجتماعي، حتى في السنوات التي كانت الدولة تتحدث فيها عن التحديث والمساواة.

لكن الحرب كانت نقطة التحول الكبرى، فالهجرة والاعتقال والمشاركة في القتال غيّبت الرجال عن الساحة، وكانت سبباً رئيساً في دخول المرأة في نطاقات كانت غائبة عنها لعقود طويلة، لتُصبح جزءاً من العمل الإغاثي، والمبادرات المدنية، وعمليات توثيق الانتهاكات.

هذا التفاوت لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوري خلال سنوات الحرب. فالهجرة الواسعة للشباب، هرباً من التجنيد أو بحثاً عن فرص العمل في الخارج، إضافة إلى الخسائر البشرية الكبيرة، تركت فراغاً واضحاً في سوق العمل. وفي هذا الفراغ، أصبحت النساء أكثر حضوراً في الحياة الاقتصادية اليومية، لا بوصفهن حالة استثنائية، بل كقوة عمل أساسية في كثير من القطاعات.

في تلك السنوات، بدا الفضاء العام السوري وكأنه يتسع قليلاً أمام النساء، ولو بشكل مؤقت.

لكن هذا الغياب النسبي عن المشهد السياسي يتناقض مع حضور واضح للنساء في تفاصيل الحياة اليومية والعمل.

فبعد سنوات الحرب، تحولت النساء في كثير من المدن السورية إلى قوة عمل رئيسية. في الأسواق، وفي المحال الصغيرة، وفي المبادرات المحلية، أصبح حضورهن جزءاً مألوفاً من المشهد الاقتصادي.

حتى في افتتاح معرض الكتاب الأخير، بدت هذه المفارقة واضحة. فبينما أظهرت الصور الرسمية صفوفاً من الرجال يتقدمون الافتتاح، كانت النساء هن من يقفن في أجنحة البيع، يستقبلن الزوار ويعرضن الكتب. خارج القاعة أيضاً، يمكن رؤية نساء يبعن الورود عند المداخل، وأخريات يدِرن بسطات صغيرة أو يبعن الخضار في الشوارع القريبة.

ولا يقتصر حضور النساء على هذه الأعمال فقط، بل يمتد إلى قطاعات العمل اليومية التي تعتمد اليوم بشكل واضح على اليد العاملة النسائية. ففي المدارس والبنوك وكثير من المؤسسات الخدمية، تتكرر الصورة نفسها: موظفات ومعلمات وإداريات يقمن بالعمل اليومي الذي يضمن استمرار هذه المؤسسات.

لكن في المقابل، تبقى مواقع الإدارة العليا والقرار غالباً في يد الرجال. فالمديرون والمدراء العامون ورؤساء الأقسام يظهرون في معظم الأحيان كوجوه ذكورية في أعلى الهرم الإداري، بينما تتمركز النساء في مستويات العمل التنفيذية واليومية.

تظهر مفارقة مشابهة في مساحات أخرى من الحياة العامة. ففي اللقاءات التي تجمع أهالي المفقودين، أو في ورشات النقاش حول العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، يمكن ملاحظة حضور نسائي كثيف بين المشاركين. كثير من الأمهات والزوجات والأخوات يجلسن في الصفوف الأمامية، يحملن قصص الفقدان والانتظار.

لكن عندما يبدأ الحديث أمام الكاميرات أو على المنصات، غالباً ما يكون المتحدثون رجالاً.

هكذا تتكرر الصورة نفسها مرة أخرى: حضور نسائي واضح في التجربة اليومية… وتمثيل محدود في السرد الذي يرويها.

الفضاء الرقمي… ساحة أخرى للصراع

ولا يقتصر التوتر في حضور النساء على الفضاء المادي فقط، بل يمتد أيضاً إلى الفضاء الرقمي.

فعندما تظهر النساء في النقاشات العامة أو يعبّرن عن آرائهن في القضايا السياسية والاجتماعية، تتحول أجسادهن وصورهن في كثير من الأحيان إلى ساحة للصراع بين الأطراف المختلفة. بدلاً من مناقشة الأفكار، يتحول الجدل أحياناً إلى هجوم لغوي يستهدف المرأة نفسها، حيث تُستخدم الإهانات المرتبطة بالجسد أو السمعة كوسيلة للنيل من الطرف الذي تمثله.

في هذا المناخ المشحون، يصبح حضور المرأة في النقاش العام أكثر كلفة، إذ لا يُنظر إلى آرائها دائماً بوصفها مواقف سياسية أو فكرية، بل بوصفها مدخلاً للهجوم الشخصي.

وسط هذه التحولات، لا تبدو جميع النساء في الموقع نفسه داخل الفضاء العام. فإذا كانت النساء العاملات والمستقلات اقتصادياً يجدن أنفسهن أحياناً على هامش المشهد السياسي أو يفضّلن الابتعاد عن النقاشات العامة تجنباً للصراع والاستقطاب، فإن المسافة تبدو أكبر بكثير بالنسبة لنساء أخريات يقعن أصلاً في هوامش المجتمع.

النساء المعنّفات، والفقيرات، وذوات الإعاقة، يواجهن طبقات إضافية من التهميش في فضاء عام لا يزال الوصول إليه غير متكافئ. في مدن تفتقر إلى البنية الداعمة وإلى شبكات الحماية الاجتماعية، يصبح حضورهن في الحياة العامة أكثر هشاشة، وغالباً ما يبقى خارج النقاشات التي تتحدث عن “قضايا النساء” نفسها.

تغيّرات تتراكم بهدوء

في يوم المرأة العالمي، لا تبدو القصة مكتملة بعد.

فالفضاء العام في سوريا يشهد تغيرات قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تتراكم ببطء عبر الصور التي تتكرر في الشوارع والمؤسسات وعلى الشاشات.

تفاصيل صغيرة تبدأ بالتجمع لتشكّل مع الوقت مشهداً أوسع. وبينما تتجه الأنظار غالباً إلى ما يحدث في المقدمة، تستمر في الخلفية قصة أطول من التحولات الهادئة التي تعيد رسم العلاقة بين المرأة السورية والفضاء العام.

بين حضور يومي واضح في الشارع والعمل، وصورة رسمية ما تزال تضع النساء غالباً في أطراف الإطار.