في حيّ الزراعة بمدينة اللاذقية، يقع مقهى ورق عتيق الذي يبدو للوهلة الأولى مقهى عادياً، لكنه في جوهره مشروع إنساني وثقافي يحمل رؤية مختلفة. افتُتح المقهى عام 2021 بعد حصول فكرته على تمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضمن “تحدي أفضل فكرة”، ليصبح ثاني مقهى في سوريا، والوحيد في اللاذقية، الذي يوظّف أشخاصاً من ذوي الإعاقة، ولا سيما المصابين بمتلازمة داون، في خطوة تهدف إلى دمجهم في سوق العمل وتغيير النظرة المجتمعية السائدة تجاههم. انطلقت فكرة المقهى من خلفية صاحبته لينا ضاهر في العمل التطوعي مع جمعيات تُعنى بالأشخاص المصابين بالتوحّد ومتلازمة داون. هذه التجربة كشفت لها إمكانياتهم الإبداعية وحاجتهم إلى بيئة عمل مستقلة ودامجة، ما دفعها إلى إطلاق المشروع كمساحة لكسر الصور النمطية وإثبات أن العمل حق طبيعي لذوي الإعاقة. يعتمد المقهى على مبيعات المشروبات والطعام المنزلي والمشغولات اليدوية، مع تركيز واضح على البعد الإنساني بعيداً عن الطابع التجاري البحت. يتميّز ورق عتيق بأجوائه المنزلية الدافئة وتصميمه البسيط، حيث تزيّن الجدران لوحات فنية أهداها أصدقاء لينا، ما يمنح المكان إحساساً بالحميمية والأمان. يضم المقهى مكتبة مفتوحة للإعارة بأسعار رمزية، وأنشطة ثقافية متنوعة مثل الأمسيات الموسيقية وحفلات توقيع الكتب، إضافة إلى عرض منتجات يدوية لذوي الإعاقة ونساء معرّضات للعنف، مع تخصيص أيام مجانية شهرياً لدعم الحرفيين المحليين. رغم نجاح التجربة، يواجه المشروع تحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل وصعوبات المواصلات، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بفكرة تشغيل ذوي الإعاقة، حيث لا يزال البعض ينظر إليها كاستغلال لا كحق. ومع ذلك، يظل ورق عتيق مساحة أمل وتجربة إنسانية مختلفة، تؤكد أن فنجان قهوة يمكن أن يكون مدخلاً لتغيير اجتماعي أعمق.
منصة إرادة- خليل سرحيل:
في حيّ الزراعة الهادئ بمدينة اللاذقية، يقع مقهى ورق عتيق. من الخارج يبدو كمقهى عادي، شبيهاً بالمقاهي الكثيرة المنتشرة في هذا الحيّ الجامعي، لكنه في الداخل يجسّد رؤية صاحبته لينا ضاهر التي أرادته فضاءً يجمع بين الثقافة والإنسانية. افتُتح المقهى عام 2021 بعد أن حصلت فكرته على تمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضمن “تحدي أفضل فكرة”، حيث كان واحداً من 26 مشروعاً مختاراً نالوا دعماً مالياً وتوجيهياً. ويُعدّ مقهى ورق عتيق هو المقهى الثاني في سوريا، بعد مقهى سوسيت في دمشق، الذي يوظّف أشخاصاً من ذوي الإعاقة، ولا سيما المصابين بمتلازمة داون، في محاولة لدمجهم في سوق العمل وتعزيز وعي المجتمع.
بدأت قصة المقهى من خلفية لينا ضاهر الغنية بالعمل التطوعي. فبعد سنوات من التطوع في جمعيات تدعم الأشخاص المصابين بالتوحّد ومتلازمة داون، اكتشفت ضاهر إمكانياتهم الإبداعية والإيجابية، وحاجة ذوي الإعاقة إلى العمل ضمن بيئة مناسبة، مستقلة ودامجة. هذا ما دفعها إلى إطلاق المشروع وخوض رحلة كسر الصورة النمطية والنظرة المجتمعية السلبية تجاه ذوي الإعاقة. وهكذا تغيّر اسم الفكرة من “اقرأ” إلى “ورق عتيق” بعد الدعم والتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. يعتمد المقهى اليوم على مبيعات المشروبات والطعام المنزلي، إضافة إلى المشغولات اليدوية والبيئية، بعيداً عن الطابع التجاري البحت، مع تركيز واضح على التجربة الإنسانية ورسالتها.
ما يميّز مقهى ورق عتيق هو أجواؤه المنزلية الدافئة التي تعكس لمسة لينا الشخصية. زُيّنت جدرانه بلوحات أهداها لها أصدقاؤها الرسّامون، ما أضفى لمسة حميمية تجعل الزائر يشعر وكأنه في بيت صديق قديم؛ صديق يعترف بحقوق ذوي الإعاقة ويدعم الفئات المهمّشة. التصميم بسيط، الألوان هادئة، والإضاءة ناعمة ودافئة، ما يخلق جواً هادئاً بعيداً عن صخب المدينة رغم وجوده في قلبها. هو مكان مناسب للقراءة، ومليء بالطاقة الإيجابية والحب. يصف الزوّار المكان بأنه مساحة آمنة ودافئة، تبتسم فيها وجوه الموظفين من ذوي الإعاقة، مثل مارسيل (36 عاماً) التي تعمل في المقهى منذ افتتاحه.
يضمّ المقهى مكتبة غنية بكتب متنوعة، وهي المكتبة الرابعة التي تم تجميعها، بعد أن تبرّعت لينا بمكتبتها ثلاث مرات خلال السنوات الماضية لصالح جمعيات خيرية. الكتب متاحة للإعارة مقابل مبالغ رمزية للبالغين، ومجانية للأطفال تشجيعاً لهم على القراءة. كما يستضيف المقهى أنشطة ثقافية متعددة، مثل عروض موسيقية، حفلات توقيع كتب، وملتقيات شعرية. إضافة إلى ذلك، تُعرض فيه منتجات يدوية مصنوعة بأيدي ذوي الإعاقة ونساء معرّضات للعنف، ممن وجدوا في المقهى وفي لينا دعماً مناسباً. ويخصّص المقهى ثلاثة أيام شهرياً مجاناً لعرض منتجات النساء والحرفيين في المحافظة، وقد نُظّمت داخله معارض فنية عدّة، كان آخرها حفل توقيع كتاب للكاتبة روز خضر المحمد.
في جانب التوظيف، يركّز المقهى على دمج الأشخاص المصابين بمتلازمة داون وصعوبات التعلّم، بعد جلسات من التأهيل والتدريب. تقول مارسيل سكيف، التي تعمل في المقهى منذ أربعة أعوام، إن العمل فيه غيّر حياتها ومنحها فرصة للتفاعل والإنتاج، وضمن لها الاستقرار النفسي والجسدي والاستقلالية المادية، إضافة إلى شبكة من الأصدقاء الذين يزورون المقهى بشكل دوري للاطمئنان عليها.
ورغم نجاح المشروع وأهميته بوصفه الوحيد من نوعه في المحافظة، يواجه ورق عتيق تحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل، وعوامل الأمان والمواصلات التي أجبرت بعض الموظفين على ترك العمل، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها سوريا بعد سنوات من الحرب. تحدٍ آخر يتمثّل في ضعف الوعي بفكرة المشروع، إذ لا يزال كثيرون يعتبرون تشغيل ذوي الإعاقة استغلالاً لهم، لا مساراً طبيعياً يطمحون إليه ولا يجدونه متاحاً. وعن هذا التحدي تقول لينا: “تمت محاربة المشروع لمجرّد أنه يدعم تشغيل ذوي الإعاقة، رغم أن هذه الخطوة تأتي بعد التأهيل في المراكز والجمعيات. هناك من يعارض خروج ذوي الإعاقة من جمعيات الرعاية إلى الحياة الحقيقية والعمل ضمن بيئة دامجة”. وتضيف أن الجهد الفردي، مهما كان صادقاً، يبقى أقل مما يلزم لتحقيق تغيير حقيقي، مؤكدة ضرورة تدخل الحكومة بشكل واسع وفوري لتغيير النظرة إلى ذوي الإعاقة واحتياجاتهم وهمومهم. فبرغم وجود قوانين ناظمة وملزمة للتشغيل، لا يوجد في عموم سوريا سوى مكانين يدعمان تشغيل ذوي الإعاقة، في واقع يعاني فيه حتى الأصحّاء من البطالة.
يبقى ورق عتيق مصدر إلهام. فزيارة المقهى ليست مجرد احتساء فنجان قهوة، بل تجربة ثقافية وإنسانية غنية، تجمع بين المتعة والمساهمة المجتمعية. وإذا كنت تبحث عن مكان يجمع الدفء المنزلي بالثقافة الحيّة، فإن ورق عتيق، بطاقمه المبتسم رغم الصعاب، ينتظرك في حيّ الزراعة. في زمن يطغى عليه الروتين، يقدّم هذا المقهى فرصة لاستعادة الروابط الإنسانية الحقيقية التي أصبحنا اليوم بأمسّ الحاجة إليها.
