الإرادة

فاتورة النجاة مضاعفة: أثر تعرفة الكهرباء على القطاع الصحي

الخط

مع إعلان وزارة الكهرباء السورية رفع أسعار الكهرباء بنسبة وصلت إلى 800% في تشرين الأول الماضي، تداول السوريون بسخرية مرّة تعليقًا يتنبأ بتضاعف حالات الجلطات عند صدور أول فواتير بالتعرفة الجديدة. بعد أسابيع قليلة، فقدت السخرية معناها، مع تضاعف تكاليف الطوارئ والعمليات الطبية، وتحول الكهرباء إلى عامل مباشر في رفع كلفة العلاج. التسعيرة الجديدة، التي شملت القطاعات المنزلية والصناعية والتجارية، انعكست سريعًا على القطاع الصحي، خصوصًا العيادات الخاصة والمخابر الطبية. أطباء كُثر وجدوا أنفسهم أمام خيارين قاسيين: رفع أجور الخدمات الطبية أو تقليص ساعات العمل وربما إيقاف بعض الخدمات. وفي الحالتين، كان المريض هو الخاسر الأول، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر. المخابر الطبية، المعتمدة على التيار الكهربائي المستمر، اضطرت بدورها إلى رفع أسعار التحاليل، ما أدى إلى تأجيل فحوصات ضرورية في كثير من الحالات، وتأخير التشخيص والعلاج. اقتصاديون يحذرون من أن الطلب على الخدمات الصحية شديد الحساسية للأسعار، وأن أي زيادة كبيرة ستؤدي إلى ركود في حركة المرضى وتداعيات صحية واجتماعية طويلة الأمد. ولم تُستثنَ المشافي العامة من الزيادة، إذ حُددت تعرفة الكهرباء لها بـ1700 ليرة سورية لكل كيلوواط ساعي، وهي قريبة من تعرفة القطاعات الاقتصادية، في إطار خطة حكومية تهدف إلى تقليل خسائر إنتاج الطاقة. هذا القرار يضع المشافي الحكومية، التي تمثل الملاذ الأخير للفئات الأضعف، في موقع استهلاكي لا خدمي، ويثير تساؤلات حول أولويات الدعم والسياسات الصحية. في المناطق البعيدة، تتضاعف المعاناة مع تكاليف السفر والإقامة للعلاج في المدن الكبرى. وبين قطاع صحي حكومي ضعيف وقطاع خاص مرتفع الكلفة، يبقى المواطن السوري عالقًا بين فقر متزايد ومرض لا ينتظر، حيث لم يعد السؤال كم ستبلغ فاتورة العلاج، بل من يملك أصلًا فرصة الوصول إليه.

منصة إرادة- مادلين جليس

في مطلع تشرين الثاني، تداول السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقًا ساخرًا يقول إن عدد الجلطات سيتضاعف مع صدور أول فواتير كهرباء بالتعرفة الجديدة. يومها، بدت العبارة كواحدة من نكات السوداوية التي يلجأ إليها الناس حين يعجزون عن الاحتجاج أو الفهم. بعد أسابيع قليلة، لم تعد الفكرة مضحكة. فأسعار الطوارئ والعمليات الطبية تضاعفت، وأصبحت فاتورة النجاة نفسها أعلى من قدرة كثيرين، لتحوّل السخرية إلى مفارقة قاسية يدفع المرضى ثمنها حرفيًا.

في تشرين الأول الماضي، أعلنت وزارة الكهرباء السورية عن رفع كبير في أسعار الكهرباء بنسبة وصلت إلى 800%، في خطوة شكّلت صدمة واسعة لدى المواطنين الذين يعانون أصلًا من ظروف اقتصادية صعبة، تتقاطع فيها قلة فرص العمل مع ضعف الأجور وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية. القرار قسّم الأسعار إلى عدة شرائح وفقًا لمستويات الاستهلاك، شملت الشريحة المنزلية، الصناعية، والتجارية، ما جعل أثر الزيادة يمتد إلى مختلف مناحي الحياة اليومية.

ومع صدور أول فاتورة وفق التسعيرة الجديدة، بدأت الأسر السورية تتلمس الأثر الحقيقي لهذه الزيادة، التي فاقت توقعات كثيرين وأشعلت موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. دعا البعض إلى الامتناع عن الدفع، فيما حاول آخرون تقليل الاستهلاك إلى الحد الأدنى، وُصفت الفواتير بأنها «ظالمة» وغير متناسبة مع مستوى الدخل، لكن الأثر الأعمق لم يتوقف عند المنازل، بل وصل سريعًا إلى قطاع يُفترض أن يكون محميًا: القطاع الصحي.

الكهرباء ترفع كلفة العلاج وتثقل كاهل السوريين

القطاع الصحي في مقدمة المتضررين

في العيادات الخاصة، بدا الوضع أكثر تعقيدًا. الزيادة الكبيرة في فواتير الكهرباء دفعت العديد من الأطباء والمختصين إلى رفع أجور المعاينات والخدمات الطبية. يصف الدكتور عادل جابر، المختص بالأمراض النسائية، هذه الزيادة بأنها غير عادلة في ظل الواقع المعيشي الراهن، مشيرًا إلى أن أطباء كثيرين اعتادوا تقديم خدمات بأسعار معقولة، لكنهم اليوم أمام خيارين قاسيين: رفع الأسعار أو تقليص ساعات العمل. ويؤكد أن رفع الأجور سيجعل شريحة واسعة من المرضى عاجزة عن متابعة العلاج.

الأمر ذاته يوضحه طبيب الأسنان يوسف محمد، الذي ارتفعت فاتورة الكهرباء في عيادته من 900 ألف ليرة سورية في الدورة الخامسة إلى مليونين وخمسمئة ألف ليرة في الدورة السادسة. يقول إن هذا الارتفاع يفرض عليه رفع أسعار خدماته لتغطية التكاليف، وإلا سيضطر إلى تقليص ساعات العمل أو التخلي عن بعض الخدمات، ما ينعكس مباشرة على المرضى.

من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور ماهر الحمصي، أن ارتفاع تكاليف الكهرباء بات تحديًا حقيقيًا للأطباء والمراكز الطبية الخاصة، واضعًا إياهم أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في العمل وتقديم خدمات بأسعار معقولة. ويتوقع أن يؤدي ذلك إلى ركود في حركة المرضى، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر وضعف القدرة الشرائية.

المخابر الطبية: الخطر الصامت

المخابر الطبية، التي تعتمد بشكل أساسي على التيار الكهربائي المستمر لتشغيل أجهزة التحاليل والأشعة، تواجه خطرًا مماثلًا. يوضح الدكتور زياد عرنوس، المختص في التحاليل الطبية، أن ارتفاع تكاليف الكهرباء اضطر المخابر إلى رفع أسعار الفحوصات، ما يثقل كاهل المرضى ويدفع بعضهم إلى تأجيل التحاليل الضرورية. هذا التأخير، كما يشير، قد ينعكس سلبًا على التشخيص المبكر والعلاج، محولًا المشكلة المالية إلى مخاطرة صحية مباشرة.

في هذا السياق، يواجه المواطن السوري معضلة قاسية. تكلفة الرعاية الصحية باتت مرتفعة إلى حد لا يتناسب مع مستوى الدخل، بينما لا يمتلك كثيرون أي وسيلة لزيادة دخلهم. تقول أم فاطمة من حلب إن ابنها بحاجة إلى علاج مستمر، لكنها لم تعد قادرة على تحمل التكاليف المتزايدة، مضيفة أنها باتت تؤجل المراجعات الطبية قدر الإمكان.

أما ريان عيسى، الذي أجرى مؤخرًا عملية تركيب شبكات في القلب، فيؤكد أن كلفة العملية كانت سابقًا تقارب 25 مليون ليرة سورية، تشمل التحاليل الطبية وأجرة الغرفة. بعد قرار رفع أسعار الكهرباء، وصلت فاتورته إلى نحو 50 مليون ليرة، اضطر لتأمينها عبر الاستدانة من أقاربه، في تجربة تختصر كيف تحوّل العلاج إلى عبء مالي ثقيل.

مفارقة الدعم الغائب

لم تقتصر الزيادات على القطاع الصحي الخاص. فقد حُدّدت تعرفة الكهرباء للمشافي العامة والمنشآت الحيوية بـ1700 ليرة سورية لكل كيلوواط ساعي، وهي تعرفة تقترب من تلك المفروضة على القطاعات الصناعية والتجارية. جاء القرار ضمن خطة حكومية شاملة لرفع الأسعار على القطاعات الصناعية، التجارية، والمنزلية، بهدف تقليل خسائر إنتاج الطاقة.

هذا التصنيف يضع المشافي العامة، التي يُفترض أن تشكل خط الدفاع الأخير للفئات الأضعف، في خانة الاستهلاك الاقتصادي لا في موقع الخدمة العامة المدعومة، ما يثير تساؤلات حول أولويات السياسة الصحية، خصوصًا في ظل ضعف القطاع الطبي الحكومي واعتماد شريحة واسعة من المواطنين عليه.

يرى عدد من الأطباء أن رفع أجور الخدمات بات يُستخدم أحيانًا كوسيلة لتعويض ارتفاع تكاليف الحياة، حتى في اختصاصات لا تعتمد بشكل كبير على الكهرباء، مثل أطباء الغدد أو الداخلية. كما أن كثيرًا من العيادات والمشافي اعتمدت منذ سنوات على حلول بديلة كالمولدات أو الطاقة الشمسية لمواجهة التقنين. لذلك، لا يرتبط رفع الأسعار دائمًا بالاستهلاك الفعلي للكهرباء، بل يعكس في كثير من الأحيان محاولة لتعويض الأعباء المعيشية العامة.

نفس المنطق ينسحب على أصحاب المهن الحرة والحرفيين، الذين يرفعون أجورهم تحت ذريعة الكهرباء، بينما يبقى المواطن العادي، خصوصًا الموظف الحكومي أو العاطل عن العمل، عاجزًا عن زيادة دخله لمجاراة هذه الزيادات.

حلول ممكنة أم دعم غائب؟

في المناطق البعيدة عن المراكز الطبية الكبرى، تتضاعف التحديات. يضطر المرضى للسفر إلى المدن الكبرى أو العاصمة لتلقي العلاج، ما يضيف تكاليف النقل والإقامة إلى فاتورة العلاج المرتفعة أصلًا. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث السوريون عن فواتير كهرباء لا تقل عن 500 ألف ليرة، لكن هذه الأرقام لا تعكس الكلفة الحقيقية عند احتساب ارتفاع أسعار الخدمات المرتبطة بها.

تعكس أزمة الكهرباء أزمة أعمق في منظومة الرعاية الصحية. يرى خبراء أن القطاع الطبي بحاجة إلى دعم حكومي مباشر، سواء عبر توفير الكهرباء بأسعار مدعومة للمرافق الصحية أو إعفاء جزئي من التكاليف، لضمان استمرار تقديم الخدمات دون تحميل المرضى عبئًا إضافيًا. يؤكد الدكتور خالد محمد، اختصاصي الاقتصاد الصحي، أن القطاع بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة ودعم حقيقي يحمي حق المواطنين في العلاج.

في بلد تتآكل فيه الأجور، ويعاني فيه القطاع الصحي العام من ضعف مزمن، تصبح الكهرباء أكثر من خدمة أساسية؛ تصبح شرطًا للحياة. وبين فواتير مرتفعة وقدرة محدودة على الدفع، يبقى المواطن السوري عالقًا بين حدي السكين، حيث لم يعد السؤال كم سيدفع مقابل العلاج، بل من يملك أصلًا فرصة أن يُعالج.