تكبيرات العيد تتصاعد من المآذن، وتزدحم الأسواق بالناس لشراء الثياب والحلوى وتحضيرات العيد، بينما تفوح رائحة المعمول والقهوة من البيوت، وتتزين المقابر بالزهور وأكاليل الآس والريحان. لكن خلف هذه الطقوس المبهجة، تعيش آلاف العائلات السورية عيداً مختلفاً؛ عيداً بلا قبور تزورها، ولا شواهد تحمل أسماء أحبّتها المفقودين. “أقسى أنواع الفقد أن تبحث عن قبر لتبكي عنده فلا تجد”، تقول لينا. ك التي فقدت والدها بعد اعتقاله، كما فقدت شقيقها خلال الحرب من دون أن تتمكن العائلة من معرفة مكان دفنهما. تضيف: “في الأعياد أتحسس قلبي وأقول: هما هنا”. أما حسام. خ، فيحاول أن يصنع طقساً بديلاً بعد فقد شقيقه، عبر توزيع الطعام والحلوى على المحتاجين، ثم الوقوف أمام صورته المعلّقة على جدار المنزل قائلاً: “كل شيء كما تحب… أنت بيننا دائماً”. في بعض المناطق السورية ظهرت مبادرات رمزية مثل “حدائق التين” في دير مار موسى وداريا وإدلب، حيث زُرعت أشجار تحمل أسماء مفقودين ومعتقلين، محاولةً منح العائلات مكاناً رمزياً للحزن والذكرى. تحوّل الإخفاء القسري خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أقسى المآسي في سوريا؛ فالمفقودون بقوا معلّقين بين الحياة والموت، بينما بقيت عائلاتهم محرومة حتى من حق الحداد. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى سجل وطني للمفقودين ونُصب تذكارية تحفظ أسماءهم وذاكرتهم، لأن الذين لا قبور لهم يحتاجون أيضاً إلى مكان يحميهم من النسيان.
استمع للمقال
منصة إرادة، إيمان ليلا:
بينما تستمر أعمال الترميم وإعادة تأهيل المؤسسات العامة التي تضررت خلال سنوات الحرب، يبدو أن حق الوصول ما يزال غائبًا عن كثير من هذه المشاريع، حتى تلك التي يُفترض أنها تعيد الناس إلى حياتهم الطبيعية.
مبانٍ يتم ترميمها على عجل، مكاتب المدراء يتم تجديد أثاثها، ولافتات براقة تحمل الهوية البصرية الجديدة، لكن خلف ذلك ما تزال الدرجات مرتفعة، والممرات ضيقة، والمصاعد غائبة أو معطلة. مبان تجعل الوصول بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة معركة يومية لا تنتهي.
في ريف حمص، عادت محكمتا تلكلخ وحسياء إلى العمل جزئيًا بعد “إصلاحات طارئة أساسية”، إلا أن المبنيين ما يزالان يفتقران إلى تجهيزات تضمن وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى قاعات المحاكم أو المرافق الإدارية. أما بعض مراكز خدمة المواطن التي أُعيد تأهيلها، فقد احتفظت بالبنية القديمة نفسها دون تعديلات جوهرية كتوسعة الأبواب أو تركيب المصاعد. حتى المباني الحكومية المخصصة أصلاً لذوي الإعاقة، تكون منحدراتها شكلية، وموضوعة على عجل، مائلة لدرجة يستحيل تسلقها، ليصبح الطريق الأصعب هو الوصول إلى الحياة العامة.
قصص كثيرة يرويها أصحابها عن معاناة يومية، تختلف تفاصيلها لكن يجمعها عائق واحد: الوصول بوصفه حقًا مكسورًا.
وظيفة بلا مكان
تبدأ نور، الحاصلة على ماجستير في علم الاجتماع وتستخدم كرسيًا متحركًا، حكايتها بفرحٍ لم يكتمل.
حين بدأت عملها في المركز الثقافي العربي في الميدان، ظنّت أن المكان مهيأ لاستقبالها؛ مصعد ومنحدر عند المدخل. لكن سرعان ما اكتشفت أن المصعد معطل منذ سنوات، وأن المنحدر شديد الانحدار عند الباب الخلفي، ولا يمكن استخدامه دون مساعدة.
هكذا وجدت نفسها محاصرة في الطابق الأرضي، بلا مكتب حقيقي ولا أدوات عمل، كأن وجودها نفسه مؤجل داخل مؤسسة يُفترض أنها وظفتها.
ومع استمرار تعطل المصعد، لم تعد قادرة على الوصول إلى القاعات أو المشاركة في النشاطات الثقافية، فتحوّل المركز، الذي يفترض أن يكون مساحة مفتوحة، إلى مساحة مغلقة في وجهها.
معظم المراكز الثقافية في دمشق، لا تزال غير مهيأة فعليًا لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة.
رانيا، التي تستخدم عكازات، تكشف وجهًا آخر لهذا الإقصاء الصامت.
تهوى المطالعة والأعمال اليدوية، وكانت تتردد إلى المركز الثقافي في المزة، لكنها توقفت مع الوقت عن المحاولة.
“الدرج عالٍ جدًا، المكتبة في الطابق الثالث، والمعهد في القبو. كنت أصل متعبة قبل أن يبدأ النشاط، فيسرق الوصول متعة الحضور.”
وتضيف: “لم يمنعني أحد بشكل مباشر، لكن صعوبة الوصول وحدها كانت كافية لأتراجع.”
هكذا تُغلق أبواب الثقافة أحيانًا، من دون أبواب مغلقة.
الطريق إلى العلم مليء بالعوائق
في كلية التربية بجامعة دمشق، تخوض صفاء، طالبة علم النفس، معركة يومية تبدأ قبل دخول القاعة. تقول إن المدخل تسبقه درجات عدة، بينما أُنشئ لاحقًا منحدر جانبي “يحتاج هو نفسه إلى منحدر”، كما تقول ساخرة.
تحاول اختصار أيام الحضور والدوام قدر الإمكان، لكن لا بد في النهاية من تقديم الامتحانات. وهنا التحدي الأصعب، تتابع “القلق لا يبدأ من الامتحان نفسه، بل من قاعة الامتحان.”
كل امتحان يتحول إلى رحلة بحث عمّن يساعدها على تجاوز الدرج، وأحيانًا يضطر زملاؤها إلى حملها مع كرسيها.
تضيف: “لا أتحدث فقط عن التعب الجسدي، بل عن الإحراج والشعور المؤلم بأن حقي في التعليم مرتبط دائمًا بمساعدة الآخرين. أعتمد على نفسي في أشياء كثيرة، لكنني هنا أفقد استقلاليتي في لحظة.”
معظم مباني جامعة دمشق قديمة، ورغم بعض التعديلات التي أُجريت عند مداخل كليات مثل الآداب واللغات، يبقى الوصول إلى الطوابق العليا شبه مستحيل بالنسبة لكثيرين.
الحمل أثقل من القدرة
أما أم عبادة، فتروي حكاية تبدأ بأمومة مثقلة وتنتهي عند أبواب مؤسسات يُفترض أنها خُصصت للخدمة والرعاية.
لديها طفل في السابعة من عمره مصاب بشلل الأطفال. وحين حاولت استخراج بطاقة إعاقة له، تحولت الرحلة إلى اختبار قاسٍ لقدرتها على الاحتمال.
في مبنى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق، وجدت منحدرًا بلا درابزين، تتوسطه نخلة تعيق المرور.
تقول:
“لم أكن أعرف: أمسك الكرسي أم أُبعد الغصن عن وجه ابني؟”
لكن المفاجأة الأكبر كانت في مركز التدرّب لرعاية الطفولة والأمومة، حيث خُصصت لجنة الفحص الطبي. المنحدر هناك مغلق بباب، والمدخل الرئيسي تحاصره درجات مرتفعة. اضطرت إلى ترك طفلها مع كرسيه عند الباب والصعود وحدها بحثًا عمّن يساعدها.
تقول إنها وصلت “تلهث”، لتتشرح للأطباء الوضع، قبل أن يقبل أحدهم لاحقًا بالنزل إلى الشارع ومعاينة طفلها على الرصيف.
رحلة استخراج بطاقة تحولت إلى اختبار شاق لأمّ، في غياب أبسط شروط الأمان.
الحواجز ليست في الإنسان… بل في المكان
هذه الحكايات ليست حالات فردية، بل وجوه متعددة لعائق واحد: بنية تحتية غير مهيأة. المشكلة لا ترتبط بالمباني القديمة فقط، فحتى بعض الأبنية الحديثة تعاني من تعديلات شكلية تفتقر إلى المعايير الحقيقية: منحدرات خطرة، مصاعد خارج الخدمة، وحلول تبدو أقرب إلى رفع العتب منها إلى ضمان الحق.
وتأتي هذه الأزمة في سياق أوسع تعيشه البلاد بعد سنوات الحرب. فبحسب بيانات ميدانية لعام 2025، يتركز نحو 48% من إجمالي الأضرار في سوريا في قطاع البنية التحتية، فيما تُقدَّر كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار أمريكي.
هذا الحجم الهائل من الدمار، خاصة في مدن مثل حلب ودير الزور ودرعا، لا يطرح فقط سؤال إعادة البناء، بل سؤال شكل المدينة المقبلة: هل ستُبنى المدن بطريقة تسمح للجميع بالوصول إليها؟ أم سيُعاد إنتاج الإقصاء نفسه داخل إسمنت جديد؟
ورغم أن مرحلة إعادة الإعمار تفتح فرصة لإعادة تصميم الفضاء العام وفق معايير “بناء ما هو أفضل”، بما يضمن الوصول الشامل منذ البداية، فإن نقص الموارد والخبرات الفنية ما يزال يشكل عائقًا حقيقيًا.
وتشير دراسات أُجريت على عينة من المباني الحكومية القائمة إلى غياب أبسط معايير الإتاحة الهندسية؛ من منحدرات آمنة وأبواب مناسبة للكراسي المتحركة إلى المرافق الصحية المهيأة وأنظمة التوجيه البصري والسمعي. ولا تمنع هذه العوائق الوصول إلى الخدمات فقط، بل تجعل المكان نفسه شكلًا من أشكال التمييز الصامت.
وفي محاولة لمعالجة هذه الفجوة، بدأت الجهات الهندسية السورية خلال عام 2025 العمل على تحديث “الأكواد الهندسية الوطنية”، عبر إعداد إصدار جديد يدمج معايير السلامة والزلازل مع متطلبات الوصول الشامل.
وتشمل المقترحات الجديدة وضع معايير واضحة للمنحدرات من حيث الميل والعرض والأسطح الآمنة، وإدخال تقنيات التوجيه الحسي للمكفوفين، واستخدام المصاعد والأبواب الذكية، إضافة إلى اعتماد أدوات رقمية حديثة لضمان مطابقة الأبنية للمعايير قبل تنفيذها.
لكن الوصول لا يبدأ من كود هندسي فقط، بل من الاعتراف بأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا “حالة خاصة” تُضاف لاحقًا، بل جزء أساسي من الحياة العامة ومن شكل المدينة نفسها.
فكيف يمكن الحديث عن العدالة، إذا كانت أحلام بعض المواطنين تتوقف عند أول درجة في مبنى عام؟
