إذا مررت قرب مقهى يعج بمشجعي كأس العالم، فقد تلاحظ أشخاصًا تبدو وجوههم بعيدة عن الشاشة؛ أحدهم يوجّه وجهه نحو الجدار، وآخر نحو الأرض، وثالث نحو مكبر الصوت. قد تظن أنهم لا يتابعون المباراة، لكن الحقيقة أنهم ربما يكونون أكثر الحاضرين اندماجًا فيها. من أكثر الصور النمطية انتشارًا أن الأشخاص المكفوفين لا يعيشون شغف كرة القدم كما يفعل غيرهم، بينما الواقع مختلف تمامًا. بالنسبة للمشجع الكفيف، المعلق الرياضي ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو عيناه داخل الملعب. لذلك يفضل المعلق الذي يصف حركة الكرة وتموضع اللاعبين بدقة، لا ذاك الذي يكتفي بذكر الأسماء أو بالصراخ عند اللقطات المثيرة. يروي أحد المشجعين المكفوفين موقفًا طريفًا في أحد المقاهي، عندما طلب منه عامل المقهى أن يلتفت نحو الشاشة بدلًا من مكبر الصوت، دون أن يدرك أن مكبر الصوت بالنسبة إليه هو الشاشة التي يرى من خلالها المباراة. في السنوات الأخيرة، تطورت وسائل الإتاحة بشكل كبير؛ فظهر التعليق الوصفي السمعي الذي يتيح للمكفوفين متابعة المباريات باستقلالية، كما بدأت بعض الملاعب باستخدام لوحات لمسية ذكية تنقل حركة الكرة إلى أطراف أصابع المشجع. ومع ذلك، ما تزال الإتاحة تواجه تحديات، سواء بسبب محدودية اللغات المتاحة في بعض البطولات، أو ارتفاع أسعار التذاكر، أو ضعف توافق كثير من منصات البث مع برامج قراءة الشاشة. وفي سورية، ورغم أن القانون يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة حق الدخول المجاني إلى الملاعب، فإن غياب الوصف السمعي والتسهيلات اللازمة يجعل هذا الحق غير مكتمل. قد يرى الملايين المباراة بأعينهم، لكن المشجع الكفيف يعيشها بطريقة مختلفة؛ يسمع ارتطام الكرة، وصيحات الجماهير، ونداءات اللاعبين، فتتشكل أمامه مباراة كاملة من الأصوات والكلمات واللمس. وفي النهاية، ليست كرة القدم ما نراه فقط، بل ما نشعر به أيضًا.
استمع للمقال
منصة إرادة- وسيم كناكرية
إذا مررت هذا الأسبوع قرب مقهى يعج بمشجعي مباراة فرنسا والمغرب، أو الأرجنتين ومصر، فقد تلاحظ مجموعة من الأشخاص تبدو عليهم علامات التوتر والترقب، لكن وجوههم لا تتجه نحو الشاشة؛ أحدهم يوجّه وجهه نحو الجدار، وآخر نحو الأرض، وثالث نحو مكبر الصوت. قد تظن للوهلة الأولى أنهم لا يتابعون المباراة أصلًا، لكن الحقيقة أنهم ربما يكونون أكثر الحاضرين اندماجًا في تفاصيلها.
هؤلاء مشجعون مكفوفون يتابعون كأس العالم بطريقتهم الخاصة؛ مباراة لا تُرى بالعين، بل تُرسم بالكلمات، وتُسمع، وتُلمس أحيانًا بالأصابع.
من أكثر الصور النمطية انتشارًا عن الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر أنهم يعيشون في عالم موازٍ؛ لا يتابعون الأفلام والمسلسلات، ولا يشجعون الفرق كما يفعل غيرهم. ولكن، هل هذا الأمر صحيح حقًا؟ في هذه المادة، سنأخذكم في رحلة للتعرف إلى عالم قد لا يخطر ببال كثيرين، حيث تُعاش كرة القدم بطريقة مختلفة، لكنها لا تقل شغفًا.
راديو أكرمي... عندما يتحدى الشغف غياب البصر
في عام 2021، انتشرت صورة لشاب كفيف يجلس في مدرجات استاد المدينة التعليمية في قطر، وسط آلاف المشجعين، ممسكًا بيده جهاز راديو صغير أثناء مباراة الأهلي المصري وبايرن ميونخ الألماني في مونديال الأندية. تحولت صورته إلى أحد أكثر مشاهد البطولة تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت تعاطفًا وإعجابًا واستغرابًا لدى الملايين.
لكن بطل الصورة، أكرمي أحمد، المشجع الوفي للنادي الأهلي، لم يكن يفكر بعدسات الكاميرات، بل كان كل ما يشغل باله تلك اللحظة الساحرة التي يصرخ فيها معلق الراديو الكلاسيكي بكلمة: جوووول.
عبر السنوات، تطورت الطرق التي يتابع بها الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية شغفهم الكروي؛ فتحولوا من الاعتماد على المعلق التلفزيوني العام، إلى المعلق المحترف المتخصص بالتعليق الوصفي السمعي، وصولًا إلى المجسمات اللمسية الذكية لأرضية الملعب.
المعلق الرياضي... بين العين البديلة والكارثة الصوتية
في عالم كرة القدم، قد يختلف المكفوفون على الفرق التي يشجعونها، لكنهم يتفقون تمامًا على مواصفات معلقهم المفضل. فبالنسبة للشخص الكفيف، المعلق هو عيناه البديلتان داخل المباراة، وأداؤه يعد حاسمًا في رسم المشهد.
يفضل المكفوفون المعلق السردي (يلي ما بيترك لا شاردة ولا واردة) الذي يصف أبعاد الملعب بدقة، ويحدد تموضع اللاعبين واتجاه الكرة بصورة مستمرة. فمثلًا، يفضل الكفيف سماع عبارة: “محمد صلاح يتقدم بالكرة في الجناح الأيمن ويمررها أرضية نحو منطقة الجزاء”، بدلًا من الاكتفاء بذكر اسم اللاعب.
في المقابل، هناك معلقون يمثلون كارثة حقيقية إذا أسندت إليهم مباراة مهمة؛ فمن الأمور السلبية القاتلة الاكتفاء بذكر أسماء اللاعبين بصورة متتالية دون تحديد مواقعهم، أو الأسوأ من ذلك: الصراخ المستمر تفاعلًا مع اللقطات الجميلة دون وصفها لغويًا. هذا الأسلوب يترك الشخص الكفيف معزولًا، لا يعرف إن كان هذا الصراخ بسبب دخول هدف أم ضياع ركلة جزاء، ليجد نفسه مضطرًا إلى قطع اندماجه وسؤال شخص مبصر بجانبه: “كرمال الله قلي شو صار.”
ولا يقتصر هذا الشغف على المدرجات العالمية، بل ينتقل مع المكفوفين إلى المقاهي الشعبية، حيث تحدث مفارقات طريفة لكنها عميقة الدلالة. يروي لي صديقي محمد موقفًا واجهه أثناء تشجيع ناديه المفضل في مقهى مزدحم؛ فبينما كان يتفاعل ويصرخ مع كل هجمة متوجهًا بكامل حواسه نحو مصدر الصوت، اقترب منه عامل المقهى بكل براءة ليقول له: “يا أخي، الشاشة ليست هناك، أنت تصرخ في وجه مكبر الصوت.”
غاب عن عامل المقهى أن مكبر الصوت بالنسبة للمشجع الكفيف هو الشاشة التي يرى من خلالها المباراة.
عندما تركض اليد مع الكرة... ثورة الوصف واللمس الذكي
هذا الواقع تغير بشكل كبير بعد مونديال قطر. فلم يعد المشجع الكفيف يعتمد فقط على مهارة المعلق الرياضي؛ ففي السنوات الأخيرة ظهرت تقنيات جديدة، مثل الوصف السمعي الاحترافي، وفي بعض الملاعب المجسمات اللمسية الذكية التي تنقل حركة الكرة إلى أطراف أصابع المشجع.
توجد اليوم خدمة تعرف بالتعليق الوصفي السمعي، تتيح للمكفوفين متابعة المباريات بشكل مستقل عبر تطبيق FIFA Audio Description، والمتاح مجانًا داخل الملاعب وخارجها عبر الهواتف الذكية.
لكن النقطة السلبية في كأس العالم الحالي تتمثل في تراجع الإتاحة اللغوية؛ فبينما شهد مونديال قطر 2022 الإطلاق التاريخي للخدمة باللغة العربية، اقتصرت الخدمة داخل الملاعب هذا العام على اللغات الإنجليزية والإسبانية والفرنسية، وهي اللغات الرسمية للدول المستضيفة، ما شكل عائقًا أمام المشجع العربي ذي الإعاقة البصرية الراغب في متابعة مباريات المونديال باستقلالية.
ولم تقتصر الثورة على الصوت، بل امتدت إلى اللمس أيضًا. ففي بعض الملاعب، طُورت لوحات لمسية ذكية عبارة عن ملاعب مصغرة بخطوط بارزة، ترتبط بأنظمة تتبع للكرة تعتمد على كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثبتة داخل الملعب، لتنقل حركة الكرة إلى اللوحة اللمسية لحظة بلحظة. وبذلك يشعر المشجع تحت أصابعه بمكان الكرة واتجاهها في الوقت نفسه الذي يسمع فيه الوصف الصوتي للمباراة.
هكذا، ومن خلال سماعة في الأذن ترسم الكلمات، ولوحة لمسية تحت الأصابع تحدد الجغرافيا، أثبتت التكنولوجيا أن المستطيل الأخضر يتسع للجميع.
بين سورية والفيفا... مفارقة الدخول المجاني والإقصاء المالي
تفتح هذه التطورات الباب أمام تساؤلات حقوقية أعمق حول العدالة الرياضية ومفهوم الإتاحة. فإذا نظرنا محليًا، نجد أن القانون السوري يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة حق الدخول المجاني إلى الملاعب والفعاليات الرياضية، لكن هذا الحق يبقى منقوصًا ما لم ترافقه تسهيلات تتعلق بسهولة الوصول إلى المقاعد والمرافق العامة، إضافة إلى توفير الوصف السمعي لمجريات المباريات.
فما جدوى الدخول المجاني إذا بقيت المباراة نفسها غير متاحة؟
غياب هذه الخدمات يدفع كثيرًا من المشجعين المكفوفين إلى الاعتماد على صديق مبصر يرافقهم، أو إلى استخدام وسائلهم الخاصة لمتابعة تفاصيل المباراة.
وفي المقابل، تظهر مفارقة لافتة على الصعيد العالمي؛ إذ ألغت الفيفا في النسخة الحالية من كأس العالم ميزة السماح المجاني بدخول المرافق الشخصي للمشجع الكفيف، وأصبح يتعين عليه شراء تذكرة كاملة السعر. ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار التذاكر المخصصة لفئات ذوي الإعاقة، التي تبدأ من نحو 140 دولارًا وتصل إلى آلاف الدولارات في الأدوار المتقدمة. هذا التناقض المالي يحرم كثيرين من حقهم في الاستمتاع بالمونديال، ويحول التكنولوجيا والإتاحة إلى رفاهية لا يستطيع الجميع الوصول إليها.
ولم تتوقف العقبات أمام المشجع الكفيف السوري عند البنية التحتية للملاعب، بل لاحقته إلى شاشات المنازل والهواتف. فالمشجع يصطدم بغلاء اشتراكات شبكات البث الرسمية أو بحظرها، وهي مبالغ تفوق القدرة الاقتصادية لكثير من السوريين. وعندما يلجأ إلى التطبيقات المجانية، يواجه إعلانات منبثقة كثيرة، وواجهات لا تتوافق مع برامج قراءة الشاشة، إضافة إلى ضعف دعم اللغة العربية، ما يترك كثيرًا من المشجعين المكفوفين أمام خيارات محدودة لا توفر لهم متابعة مستقلة أو مريحة للمباريات.
تفاصيل ساحرة لا ينتبه إليها المبصرون
ورغم كل تلك العوائق اللوجستية والمادية، يبقى شغف هؤلاء المشجعين تجربة استثنائية تُعاش بالروح لا بالعين.
لو سألت شخصًا كفيفًا عن أكثر ما يستمتع به أثناء متابعة مباراة، فقد يقول لك:
“أشعر بالمتعة عندما أسمع صوت ركل الكرة، ذلك الصوت الذي يمر عابرًا ولا ينتبه إليه كثير من المبصرين. أتوتر بشدة عندما تحتسب ركلة جزاء وأسمع الجماهير تصرخ وتصفر محاولة التشويش على صافرة الحكم. في تلك اللحظات، أشعر وكأني داخل الملعب، أستمع إلى المدرب الذي يصرخ طوال الوقت، واللاعبين وهم ينادون بعضهم بعضًا لملء الفراغات.”
لذلك، إذا مررت يومًا قرب مقهى ورأيت مشجعًا كفيفًا يصرخ بحماس وهو يواجه مكبر الصوت بدل الشاشة، فلا تستغرب. بالنسبة إليه، مكبر الصوت هو الشاشة، والكلمات هي الصورة، والأصابع هي خريطة الملعب.
قد يرى الملايين المباراة بأعينهم، لكن بعض المشجعين يعيشونها كاملة بآذانهم وأصابعهم وقلوبهم. وفي النهاية، ليست كرة القدم ما نراه فقط، بل ما نشعر به أيضًا.

One Response
انا غير مهتمة كثيرا بمتابعة المونديال ولكن بسبب ابني الكفيف وشغفه بمتابعة المونديال اجبرت نفسي على المتابعة وشرح مجريات المباريات وكتابة اسماء كل فريق حتى يعرف من يحصل على الكرة ومجريات المباراة وتغطية نقص الوصف الصوتي للمعلق كان الله في العون طاقات كبيرة للمكفوفين تتنتظر توظيفها في المكان الصح