الإرادة

العقود السنوية بين إصلاح القطاع العام وكلفة العدالة الاجتماعية: قرار إداري واحد… وخرائط متداخلة للهشاشة

منصة إرادة- مياس سلمان

لم يكن قرار وقف تجديد العقود المؤقتة إجراءً تقنيًا معزولًا، بل لحظة كشفت عن عمق التشابك بين السياسة والوظيفة العامة في سوريا. فمع صدور القرار رقم /2533/ عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في آب 2025، انتهى العمل بمبدأ التمديد التلقائي للعقود السنوية، ليجد عشرات آلاف الموظفين أنفسهم خارج الوظيفة العامة مع مطلع عام 2026، رغم اختلاف مساراتهم وخلفياتهم جذريًا: موظفين فُصلوا في عهد النظام السابق بسبب مواقفهم السياسية، وأُعيدوا بعد سقوطه بعقود مؤقتة، وموظفين عُيّنوا خلال سنوات الحرب بعقود سنوية نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لمنظومة الولاء. وبين الطرفين، تقف حكومة انتقالية تواجه جهازًا إداريًا مترهلًا، موارد مالية محدودة، وضغطًا لإعادة ترتيب الأولويات الوظيفية، من دون أن تمتلك بعد تصورًا واضحًا أو خطة مدروسة لكلفة هذا الترتيب على مجتمعات هشة ومتفككة.

لم يعد السؤال مقتصرًا على من سيبقى في الوظيفة، بل على الكيفية التي تُدار بها عملية الخروج نفسها، وعلى ما إذا كان الإصلاح الإداري يمكن أن يُنفذ دون أن يتحول إلى قطيعة اجتماعية واسعة، خصوصًا في بلد لا تزال الوظيفة العامة فيه تمثل أحد الضمانات الأساسية للفئات الضعيفة لتحقيق استقرار معيشي في حده الأدنى.

الوظيفة العامة بين الولاء والإقصاء… ومن الفصل إلى العودة المؤقتة

لطالما كانت الوظيفة العامة في سوريا أداة ضبط بقدر ما كانت مصدر رزق. خضع القطاع العام في سوريا، لعقود طويلة، لسيطرة محكمة من الأجهزة الأمنية، حيث لم يكن المؤهل العلمي أو الكفاءة المعيار الحاسم للتعيين. كان “فرع السياسية” أو الأمن السياسي هو الجهة الفعلية التي تمنح “صك الدخول” إلى مؤسسات الدولة عبر ما سُمي بالموافقة الأمنية، وهي أداة لم تكن إجرائية بقدر ما كانت وسيلة فرز اجتماعي وسياسي، تقسم المجتمع بين “موالٍ” يستحق الرعاية والراتب، و“مشكوك في ولائه” يُحرم من أحد أبسط حقوق المواطنة: العمل في مرافق الدولة.

تعزز هذا النهج خلال سنوات الحرب عبر عقود سنوية مؤقتة كانت جزء من خطة تعويض اجتماعي مسيّسة، فبموجب قرار صدر عام 2014 من رئاسة مجلس الوزراء، خُصصت 50% من شواغر المسابقات الوظيفية لذوي “الشهداء ومن في حكمهم”، وهو توصيف اقتصر عمليًا على قتلى القوات المسلحة النظامية والميليشيات الرديفة. كما أُجريت مسابقات حصرية لتعيين المسرحين الذين خدموا فترات طويلة في الجيش، وصلت في بعض الحالات إلى ست سنوات كاحتياط، كمكافأة على خدمتهم القتالية. اللجنة الخاصة بتعيينهم في مجلس الوزراء صرحت في منتصف 2024 أن أعداد الموظفين بحكم هذا القرار وصل ل 9 آلاف شخص. نجم عن هذه السياسات عشرات آلاف العقود السنوية التي كانت تُجدد تلقائيًا في المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام، ما خلق طبقة واسعة من الموظفين المرتبطين وجوديًا ببقائه، والذين يواجهون اليوم صدمة انتقال إداري حادة.

فمع تطبيق القرار 2533، تم فصل وإنهاء عقود آلاف الموظفين ممن عينهم النظام السابق بموجب عقود سنوية (كمسرحين وذوي قتلى الحرب). بعضهم فصل مع بداية عام /2025/ وبعضهم في منتصف العام والبعض استمر بعمله حتى بداية العام /2026/ ومع بداية العام لم تجدد حتى اليوم جميع العقود السنوية المؤقتة حتى التي تعين بموجبها أشخاص من ذوي الإعاقة، وحتى التي مر على تعيين أصحابها أكثر من خمسة عشر عاماً أي قبل الثورة.

لم يكن هؤلاء الضحايا الوحيدين للقرار، فقد شهد العام الماضي عودة عشرات الآلاف من الموظفين الذين كانوا قد طردوا أو فُصلوا من أعمالهم خلال الأعوام السابقة بسبب مواقفهم السياسية المعارضة أو بسبب التهجير أو خروج مناطقهم عن سيطرة النظام السابق. وبعد سقوط النظام الأسدي، أُعيد عدد كبير منهم إلى وظائفهم، لكن غالبًا بعقود مؤقتة أو موسمية، جرى تمديدها لفترات قصيرة، ثلاثة أو ستة أشهر، بسبب “غياب رؤية واضحة لمعالجة أوضاعهم”. لا يوجد أرقام رسمية عن أعداد هؤلاء، لكن ناشطين منهم أسسوا مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي لمتابعة القضية، ويقولون إن أعدادهم تتجاوز 150 ألف شخصاً.

ومع دخول القرار 2533 حيّز التطبيق، وجد هؤلاء أنفسهم أمام فصل ثانٍ من الإقصاء، هذه المرة باسم الإصلاح، لا القمع، وبمبررات إدارية لا سياسية، ما جعل العدالة الانتقالية تبدو، بالنسبة لهم، وعدًا مؤجلًا لا مسارًا مكتملًا.

فقد نص القرار في فقرته (ج) على عدم تجديد العقود المؤقتة بشتى أنواعها عند انتهاء مدتها، إلا في حال وجود “حاجة ماسة” وبموافقة حصرية من الأمانة العامة للرئاسة. حيث لم يتم وضع معايير علمية أو إدارية واضحة لتحديد مصطلح “الحاجة الماسة”. وهكذا ترك القرار مصير الموظفين بيد لجان تقييم ومديرين جدد، كما تركه مفتوحاً على تفسيرات متناقضة حسب خلفية المتضررين. بين طرف يعبر عن مخاوف من “ثأر سياسي” مغلف بغطاء “الإصلاح الإداري”، وبين طرف يتهم الحكومة بتوظيف “استنسابي” يضحي بالفئة الأضعف “قانونياً” وهي فئة المفصولين خلال سنوات الحرب. بالحالتين تقوض هذه السياسات الثقة بالسلطة الانتقالية وتدفع فئات واسعة نحو اليأس.

وجوه القرار: أرامل، ذوو إعاقة، وموظفون بلا رواتب

مازن البطل كان معلم فيزياء في ريف دمشق قبل أن ينزح إلى إدلب ويتم فصله من عمله. محاولة عودته السنة الماضية فشلت حتى بعقد مؤقت لأنه تجاوز الستين عاماً. يقول أن بعض أصدقاءه عادوا بصفة وكلاء بعقود مؤقتة انتهت مع نهاية العام الماضي، ويضيف “مرة يقولون سيصدر مرسوم رئاسي، ومرة سيصدر مجلس الشعب قانون خاص فينا، ومرة تم تشكيل لجان لدراسة أوضاعنا، علماً أن القانون الأساسي للعاملين بالدولة 50 لعام 2004 ما زال ساري وحق المفصول تعسفياً مصان فيه، لكن فئة المفصولين خلال الثورة هي الحلقة الأضعف والخوف أن يتم التضحية فينا”.

في مديرية الزراعة، فقدت هنادي عملها منذ الأول من كانون الثاني 2025. أم لثلاثة أطفال، أكبرهم في السادسة عشرة، كان زوجها سائقًا متطوعًا في الجيش قُتل عام 2017. حصلت على وظيفة بعقد سنوي مكّنها لسنوات من العيش باستقلال نسبي، قبل أن يُنهى عقدها دون بديل. اليوم، تعتمد على مساعدات الأقارب، وتقول إن أطفالها يدفعون ثمن قرار لا علاقة لهم به، متسائلة عن مصير راتب كان يُصرف بوصفه “تعويضًا اجتماعيًا” ثم توقف فجأة.

في مستشفى عام بطرطوس، طُلب من ريم، وهي من ذوي الإعاقة، عدم المجيء إلى الدوام بانتظار تجديد عقدها السنوي الذي بدأ عام 2008. خمسة عشر عامًا من الخدمة انتهت إلى انتظار مفتوح. ثمانية من أصل العقود الموقوفة في المستشفى تخص أشخاصًا من ذوي الإعاقة، رغم أن القانون ينص على تخصيص 4% من الوظائف العامة لهم. طوال العقد الماضي، لم يُثبت هؤلاء، بل جرى تعيينهم بعقود سنوية مؤقتة، ليجدوا أنفسهم اليوم في مهب الريح مع سريان القرار 2533. مدير المشفى رفع القوائم التي تبرر الحاجة، لكن الرد لم يصل. مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في طرطوس أقرت بأن تجديد عقود ذوي الإعاقة ليس من صلاحياتها، ولا توجد تطمينات بعدم فصلهم، في مشهد يعكس كيف تحوّل الحق القانوني إلى عقد مؤقت، والعقد المؤقت إلى هشاشة دائمة.

في دوائر أخرى، لم يُفصل الموظفون رسميًا، لكن رواتبهم توقفت. تقول آلاء محمد، محاسبة في دائرة الخدمات الفنية، إن تعميمًا وصل مع بداية العام يقضي بعدم رفع جداول رواتب موظفي العقود حتى صدور قوائم اسمية بالتجديد. مع ذلك، يبدو أن الخوف سيد الموقف لأن معظم أصحاب العقود “استمروا بدوامهم” كي لا يتركوا حجة بفصلهم للانقطاع عن الدوام.

الاحتجاجات، الحقوق، ومخاطر التفكيك الأعمى

شهدت عدة محافظات سورية خلال كانون الثاني 2026 وقفات احتجاجية متواضعة للمطالبة بحل قضية الموظفين المؤقتين خاصة في قطاعات الصحة والكهرباء والنقل. في درعا، نفذ مئات الموظفين وقفة أمام مديرية الصحة احتجاجًا على شطب أسماء نحو 700 موظف دفعة واحدة. وشهدت طرطوس وقفة مشابهة من موظفي الصحة. هذه التحركات عكست تحول ملف التوظيف من قضية إدارية إلى مسألة “أمان اقتصادي”، مرتبطة مباشرة بالقدرة على البقاء.

السياق الاقتصادي السوري بالغ القسوة، حيث يعيش معظم السوريين تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة البطالة 50%، فيما تُقدَّر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. بالمقابل، ترى الحكومة أن تقليص الإنفاق على الأجور هو “شر لا بد منه”. غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن الوظيفة العامة في سوريا لم تكن يومًا علاقة إنتاجية فحسب، بل شبكة أمان اجتماعي شبه وحيدة، وأن سحب هذا الأمان بشكل مفاجئ، يضع آلاف الأسر أمام خطر السقوط الفوري.

يحذر محللون من أن سياسات “التطهير” و”الترشيد” في القطاع العام قد تزيد من حدة الانقسام المجتمعي والطائفي، مستعيدين دروس تجارب سابقة، أبرزها تفكيك مؤسسات الدولة في العراق بعد 2003. التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في رد المظالم للمفصولين سابقًا، بل في تجنب خلق مظلوميات جديدة بين موظفين لم يرتكبوا جرائم فعلية، وكانوا، في كثير من الأحيان، نتاجًا لمنظومة لا خيار لهم فيها. فالإصلاح الإداري، حين يُنفذ دون شبكة أمان اجتماعية ومعايير شفافة، لا يُنهي إرث الماضي بقدر ما يعيد إنتاجه بصيغة مختلفة، تاركًا الدولة والمجتمع أمام هشاشة مضاعفة.