الإرادة

الطريق الوحيد إلى دمشق: رحلة محفوفة بالمخاطر لسكان الشرق السوري

الخط

يعرف طريق دير الزور – دمشق محليًا باسم «طريق الموت»، نتيجة تكرار الحوادث عليه في ظل غياب شروط السلامة الأساسية. يشكل هذا الطريق الممر البري الوحيد تقريبًا لسكان المنطقة الشرقية باتجاه العاصمة، ما يجعله خيارًا إجباريًا للطلاب والمرضى والمسافرين رغم مخاطره المتزايدة. يمتد الطريق لأكثر من 480 كيلومترًا، ولا يتجاوز عرضه ستة أمتار في معظم أجزائه، مع غياب الإضاءة الليلية، وضعف الاتصالات، وندرة النقاط الطبية، حيث تقع أقرب نقطة إسعاف رئيسية في تدمر. كما تنتشر مطبات غير ممهّدة ولوحات مرورية محدودة، بينما تعمل العديد من مركبات النقل العام دون فحص فني منتظم. لا تتوفر إحصائيات دقيقة لضحايا الحوادث على هذا الطريق تحديدًا، لكن مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة دير الزور يزن سوادي قدّر إجمالي الحوادث المرورية في المحافظة العام الماضي بنحو 3601 حادث. كما أشار الهلال الأحمر إلى نقل 232 مصابًا خلال الفترة نفسها. بداية عام 2026 شهدت ثلاثة حوادث على الطريق خلّفت خمسة قتلى وعدة إصابات، وفق مديرية الطوارئ في الدفاع المدني. ومن بين الضحايا الشابة اليمامة عيبان (20 عامًا)، طالبة معهد صحي، توفيت دهسًا عند مدخل دير الزور أثناء محاولتها عبور الطريق نحو وسيلة نقل عامة، في منطقة تضم مؤسسات تعليمية وصحية دون إجراءات سلامة كافية. سائقون يعملون على الطريق يشيرون إلى أسباب متعددة للحوادث، منها تهالك الطريق، وغياب الرقابة المرورية، وانتشار مركبات غير مرخصة، إضافة إلى قيادة متهورة وتعاطي بعض سائقي الشاحنات لمواد مخدرة بحسب شهادات ميدانية. مع استمرار إغلاق طرق بديلة بسبب التوترات الأمنية، يطالب سكان دير الزور بصيانة الطريق وتوسعته، وتحسين الاتصالات والخدمات الإسعافية. حتى الآن، تبقى هذه المطالب دون استجابة واضحة، فيما يواصل الطريق تسجيل حوادث جديدة بشكل شبه يومي.

منصة إرادة- شيماء شريف:

عرف طريق دير الزّور – دمشق، محليًا وإعلاميًا، بـ«طريق الموت». ليس بسبب حادثة واحدة أو ظرف عابر، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال، جعل هذا الممر القسري الوحيد لآلاف المسافرين يوميًا طريقًا محفوفًا بالمخاطر. في غياب شروط السلامة الأساسية، تتحول الرحلة إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، يكون ثمنها في كثير من الأحيان الحياة أو الإعاقة.

يمتد الطريق لأكثر من 480 كيلومترًا، ولا يتجاوز عرضه ستة أمتار في معظم مساره. يفتقر إلى شبكة اتصالات، وإضاءة ليلية، ونقاط مراقبة مرورية، كما تغيب عنه اللوحات التحذيرية، رغم انتشار مئات المطبّات الهوائية التي تحولت إلى فخاخ حقيقية للمركبات. أقرب نقطة طبية تقع في مدينة تدمر، ما يجعل أي حادث خطير سباقًا مع الوقت غالبًا ما يُحسم بالخسارة.

وسائل النقل العامة التي تسلك الطريق متهالكة، ولا تخضع للفحص الفني قبل الرحلات، في ظل غياب أي رقابة فعلية. جميع هذه المعطيات ترسم نتيجة شبه حتمية: موت، أو إصابة دائمة، أو ساعات طويلة من الخوف والترقب يعيشها المسافرون وذووهم.

ضحايا الحوادث في دير الزّور: أرقام ناقصة وقصص مكتملة الألم

ضحايا الحوادث المرورية في دير الزّور ليسوا مجرد أرقام غير دقيقة، بل بشر توقفت حكاياتهم قبل أن تكتمل. لم تتمكن منظمة «إرادة» من الحصول على عدد تقريبي لضحايا الحوادث على طريق دير الزّور – دمشق، بسبب غياب إحصائيات مخصصة لهذا الطريق لدى مديرية صحة دير الزّور، رغم كونه صلة الوصل الوحيدة بين المنطقة الشرقية وبقية المحافظات.

لكن الأرقام المتاحة، رغم محدوديتها، تكشف جانبًا قاسيًا من الواقع. بحسب يزن سوادي، مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة دير الزّور، بلغ إجمالي عدد الحوادث المرورية في المحافظة العام الماضي نحو 3601 حادث، في القسم الخاضع لسيطرة الحكومة المؤقتة. كما أشار محمود ملا محمد، منسق قسم التواصل والإعلام في الهلال الأحمر، إلى نقل 232 مصابًا عبر فرق المنظمة.

بداية عام دامية

خلال الأيام الأولى من عام 2026، سُجّلت ثلاثة حوادث على طريق دير الزّور – دمشق، خلّفت خمسة قتلى وعددًا من الإصابات، بحسب زياد العبود، مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الدفاع المدني (الخوذ البيضاء).

ولا يزال دم الشابة اليمامة عيبان (20 عامًا) على مدخل مدينة دير الزّور شاهدًا على واقع لا يحمي أبناءه. كانت اليمامة طالبة في السنة الثانية في المعهد الصحي، دهستها سيارة مسرعة أثناء محاولتها عبور الطريق للوصول إلى باص النقل الداخلي. غياب الصيانة، وانعدام الرقابة، وسائق متهور، كانت كفيلة بإنهاء حياتها وحلمها بالالتحاق بكلية الصيدلة.

تتوزع على هذا المدخل الحيوي عدة مؤسسات تعليمية وصحية وأمنية، بينها كليات جامعية ومستشفى ودوائر رسمية، لكن ذلك لم ينعكس بأي شكل من أشكال الحماية المرورية. في ظل غياب مراقبة السرعة واللوحات التحذيرية، تبدو حادثة اليمامة قابلة للتكرار، ويستمر مسلسل الفقد في مدينة دير الزّور.

روايات من الطريق: فوضى بلا ضوابط

أحمد المطر (55 عامًا)، سائق شحن ثقيل يعمل على طريق دير الزّور – دمشق منذ أكثر من عشرين عامًا، يرى أن ازدياد الحوادث منذ بداية الحرب يعود إلى غياب الرقابة، وتفاقم الأمر بعد سقوط النظام مع اندفاع مئات الشباب للسفر بحرية لأول مرة، من دون امتلاك شهادات قيادة أو خبرة كافية للسير على طريق ضيق وخطر.

يروي أحمد حادثًا تعرض له قبل أشهر مع سيارة من نوع «سنتافي»، كان سائقها يقود بسرعة عالية مستخدمًا أضواء زينون سببت له عمى مؤقت. حاول السائق التجاوز فانقلبت السيارة ولقي حتفه، بينما تكبد أحمد خسائر مادية كبيرة نتيجة تضرر شاحنته وحمولتها الغذائية.

أما رياض العلوش (60 عامًا)، سائق في إحدى شركات البولمن منذ أكثر من عشر سنوات، فيصف الطريق بأنه «مصيدة موت». يشير إلى تعاطي بعض سائقي الشاحنات الثقيلة للمواد المخدرة، وإلى الفوضى التي تشهدها مهنة نقل الركاب، حيث تعمل حافلات وتكاسي دون ترخيص من نقاط انطلاق غير رسمية، خصوصًا في منطقة المرجة بدمشق.

يطالب رياض بحصر نقل الركاب في شركات مرخصة، وإعادة تركيب الصندوق الأسود للحافلات، بما يتيح ضبط السرعة تلقائيًا، معتبرًا أن غياب الرقابة والفوضى المرورية هما السبب الأساسي للحوادث، إلى جانب تهالك الطريق.

مرضى وطلاب… طريق لا بديل عنه

ميّار الخضر (20 عامًا)، طالبة في السنة الأولى بكلية الطب في دمشق، تضطر للسفر مرة كل شهر إلى دير الزّور. تقول إن غياب شبكة الاتصالات يجعل الرحلة مصدر قلق دائم لأسرتها، خاصة والدتها المريضة بالقلب.

تضيف أن بعض شركات البولمن الجديدة تقدم أسعارًا منخفضة، لكنها تعمل في تهريب المحروقات، ما يعرّض الركاب لمخاطر إضافية، فضلًا عن الأعطال المتكررة وساعات الانتظار الطويلة في البرد، التي باتت جزءًا اعتياديًا من الرحلة.

صمت رسمي ومطالب معلّقة

تحولت الحوادث على طريق دير الزّور – دمشق إلى خبر يومي اعتيادي، لا يتغير فيه سوى أسماء الضحايا. في المقابل، يخيّم صمت رسمي على مأساة تتفاقم، خاصة بعد إغلاق الطرق الأخرى التي تربط المنطقة الشرقية ببقية المحافظات، بسبب التوترات الأمنية، ليبقى هذا الطريق ممرًا إجباريًا غير آمن.

يطالب أهالي دير الزّور بتخصيص ميزانية طارئة لصيانة الطريق وتوسعته وإنارته، وإنشاء نقاط مراقبة مرورية، وحل مشكلة غياب الاتصالات. حتى الآن، تقابل هذه المطالب بتجاهل كامل، فيما يواصل الطريق حصد أرواح جديدة.

طريق موت أم شريان حياة

يُعتبر طريق دير الزور-دمشق، المعروف فنياً بالرمز M20، الشريان الأبهر للدولة السورية في ارتباطها بمنطقتها الشرقية، وهو ممر يمتد عبر جغرافيا قاسية تفرض تحديات لوجستية وأمنية. هذا المسار، الذي يتجاوز 450 كيلومتراً، لا يمثل مجرد وسيلة لانتقال الأفراد والبضائع، بل هو مسرح لتداخلات اقتصادية وسياسية معقدة، تزايدت خلال عامي 2025 و2026 نتيجة التحولات الميدانية المتسارعة وتفاقم الأزمات الهيكلية في قطاع النقل.

تبدأ الرحلة على هذا الطريق من العاصمة دمشق، متجهة نحو الشمال الشرقي، وتمر بمنطقة الضمير التي تُعد البوابة الغربية للبادية، ثم تتجه نحو مدينة تدمر التي تمثل العقدة الوسطى والأكثر استراتيجية في المسار، حيث تلتقي فيها الطرق القادمة من حمص والمنطقة الوسطى مع طريق دير الزور. 

الطبيعة الطبوغرافية لمنطقة “كباجب” و”الشولا” تفرض تحديات خاصة؛ إذ إن المساحات الصحراوية الشاسعة تؤدي إلى ظاهرة “تنويم الطريق” لدى السائقين، حيث يفقد السائق تركيزه نتيجة الرتابة البصرية للمناظر المحيطة، كما أن الطريق عرضة لظاهرة “الزحف الرملي”، حيث تغطي الرمال أجزاء من المسار في مواسم الرياح العاتية.

طريق دير الزور-دمشق، بكل ما يحمله من مآسٍ وقصص للضحايا، يظل رمزاً للتحديات التي تواجه اإعادة ربط  الأوصال الجغرافية التي تقطعت خلال سنوات الحرب. إن الانتقال من “طريق الموت” إلى “شريان الحياة” يتطلب رؤية تتجاوز مجرد إصلاح الحفر، لتشمل إصلاحاً هيكلياً في منظومات الرقابة، والسلامة المرورية.