تكبيرات العيد تتصاعد من المآذن، وتزدحم الأسواق بالناس لشراء الثياب والحلوى وتحضيرات العيد، بينما تفوح رائحة المعمول والقهوة من البيوت، وتتزين المقابر بالزهور وأكاليل الآس والريحان. لكن خلف هذه الطقوس المبهجة، تعيش آلاف العائلات السورية عيداً مختلفاً؛ عيداً بلا قبور تزورها، ولا شواهد تحمل أسماء أحبّتها المفقودين. “أقسى أنواع الفقد أن تبحث عن قبر لتبكي عنده فلا تجد”، تقول لينا. ك التي فقدت والدها بعد اعتقاله، كما فقدت شقيقها خلال الحرب من دون أن تتمكن العائلة من معرفة مكان دفنهما. تضيف: “في الأعياد أتحسس قلبي وأقول: هما هنا”. أما حسام. خ، فيحاول أن يصنع طقساً بديلاً بعد فقد شقيقه، عبر توزيع الطعام والحلوى على المحتاجين، ثم الوقوف أمام صورته المعلّقة على جدار المنزل قائلاً: “كل شيء كما تحب… أنت بيننا دائماً”. في بعض المناطق السورية ظهرت مبادرات رمزية مثل “حدائق التين” في دير مار موسى وداريا وإدلب، حيث زُرعت أشجار تحمل أسماء مفقودين ومعتقلين، محاولةً منح العائلات مكاناً رمزياً للحزن والذكرى. تحوّل الإخفاء القسري خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أقسى المآسي في سوريا؛ فالمفقودون بقوا معلّقين بين الحياة والموت، بينما بقيت عائلاتهم محرومة حتى من حق الحداد. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى سجل وطني للمفقودين ونُصب تذكارية تحفظ أسماءهم وذاكرتهم، لأن الذين لا قبور لهم يحتاجون أيضاً إلى مكان يحميهم من النسيان.
استمع للمقال
منصة إرادة- خليل سرحيل
يبدأ الفيديو بمشهد يبدو عابراً ضمن إيقاع سريع لمحتوى “ترندي”. رجل قصير القامة يظهر في الثواني الأولى بوصفه أداة بصرية “لا خلاف عليها” للسخرية والإقلال من الشأن. وجوده في الفيديو لا يشرح فكرة، ولا يضيف معلومة للموضوع الأساسي “انتقاد منصة شارع ومديرها الفلسطيني”، وبالطبع، لا يقدّم أي سياق مشترك. لكن صورته وحدها تؤدي الوظيفة المطلوبة: ربط الصحفي الفلسطيني-السوري الذي يتناوله التقرير بصورة يعتبرها الوعي الجمعي “ناقصة” أو “مضحكة”. الفكرة تصل فوراً: تشبيه الصحفي بهذا “القزم ” يجعله مثله في القيمة… ليس أقل رجولة فقط ، بل أقل إنسانية… بهذه البساطة يتحول الجسد إلى اختصار سياسي جاهز. ويتحول قصر القامة إلى استعارة للتحقير.
ما يستدعي الوقوف عنده أنه، وحتى داخل الانتقادات الواسعة للمادة، مرّ استخدام قصار القامة كأداة للسخرية مروراً عادياً لدى كثيرين، كأن المشكلة الوحيدة كانت في الإساءة للفلسطينيين، أما التنمر على مجموعة بشرية أخرى فبدا تفصيلاً ثانوياً لا يستحق التوقف عنده. وهنا تظهر مشكلة أعمق. الإساءة بحد ذاتها مشكلة، لكن عدم رؤية الإساءة مشكلة أيضاً. وسط الترند والردود والتضامن المحق مع الفلسطينيين، لم ينتبه كثيرون إلى أن المادة استخدمت إنساناً مختلفاً جسدياً بوصفه أداة تحقير مجانية. كأن بعض أشكال التمييز ما تزال “مقبولة اجتماعياً”، أو على الأقل لا تثير الحساسية الأخلاقية نفسها.
حتى الآن، لم يصدر اعتذار من الصحفي الذي قرر ارتكاب إساءة مزدوجة لقصار القامة والفلسطينيين معاً، أثناء محاولة اغتيال معنوي لصحفي آخر، فيما دافعت منصة “سيريا شفت” التي نشرت التقرير عن مضمون حديثها التمييزي تجاه الفلسطينيين. والمفارقة أن شركة “ميتا” حذفت التقرير لاحقاً بسبب المحتوى الذي اعتبرته مسيئاً لقصار القامة، رغم أن معظم موجة الغضب والتبليغات جاءت أساساً من زاوية التمييز ضد الفلسطينيين السوريين.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بهذه المنصة أو بأخلاق أفراد على وسائل التواصل، بل بثقافة كاملة تعيد إنتاج فكرة أن بعض الأجساد أقل قيمة، وأقل حضوراً، وأقل استحقاقاً للكرامة. أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم أقل أهلية للظهور العام، أو أقل قدرة على تمثيل أنفسهم، أو أقل “ملاءمة” للمشاركة السياسية والاجتماعية.
هذا الأمر لا يظهر في هذه الحادثة فقط. خلال الأيام الماضية، وبعد اعتقال الممثل السوري معن عبد الحق، تداول عدد من الإعلاميين والصفحات الخبر بنبرة شماتة، مع تكرار وصف “صطيف الأعمى”، وهو اسم الشخصية التي لعبها في مسلسل ….. كلمة “الأعمى” لم تُستخدم كتوصيف عادي، بل كجزء من الإهانة نفسها، وكأن الإعاقة البصرية تحمل بحد ذاتها قيمة تحقيرية جاهزة للاستعمال.
وقبل فترة، بعد تعرض فتاة من ذوي الإعاقة لاعتداء جنسي، ظهرت تعليقات تتساءل بسخرية: “من قد يرغب بها أساساً؟”، في واحدة من أكثر الصيغ قسوة لاختزال الإنسان في جسده، وتحويل الإعاقة إلى مبرر ضمني لنزع التعاطف أو التشكيك بالجريمة نفسها.
في أكثر من فيديو، استخدم محمد ماجيك أشخاصاً من ذوي الإعاقة بطريقة استعراضية قائمة على الشفقة أو الإثارة، كان آخرها إجبار شخص مبتور الساق على مخالفة قوانين المرور والالتفاف حول الدوار، الذي من المفترض أن يكون مخصصاً للسيارات فقط، وليس لشخص من ذوي الإعاقة يسابق الزمن لنيل مبلغ 100 دولار من ماجيك.
أما يزن فويتي، الذي يُفترض أن المدونة تطلب منه حماية خصوصية الأطفال وعدم تصويرهم في لحظات الضعف والحاجة، فيبدو أكثر التزاماً بهذه المعايير عندما يعمل مع منصات مرتبطة بالحكومة مثل “أنا سوريا”، بينما تختفي هذه الحدود تقريباً على صفحاته الشخصية.
المشهد، للأسف، لا يتعلق بعدد من المؤثرين فقط، بل بثقافة كاملة تحكم المشهد السوري الجديد: ثقافة الترند.
حكومة ترندات.
إعلام ترندات.
وشعب يركض خلف الترند أحياناً بصخب، وأحياناً باستسلام كامل.
في نهاية اليوم، يبدو كأن كل جهة تحتفل بعدد المشاهدات والإعجابات بوصفه إنجازاً سياسياً أو أخلاقياً، بينما الواقع السوري يزداد قسوة وتفككاً وتشتتاً.
أعراض الانفصام السوري تظهر مثلاً مع “مدونة السلوك” التي احتفلت وزارة الإعلام بإطلاقها في فندق ضخم، وسط الأضواء اللامعة والكلمات المنمقة، في فبراير/شباط 2026، تحت شعار “إعلام مهني… كلمة مسؤولة”. المدونة تتحدث عن الكرامة الإنسانية، وعن منع التنمر، وعن حماية الأطفال وذوي الإعاقة من الاستخدام غير المهني في المواد الإعلامية. لكن منذ إطلاقها، بدا أن الجميع يتعامل معها كعرض علاقات عامة أكثر من كونها التزاماً فعلياً.
الجميع صفق لها، والجميع تقريباً متفق على اختراقها: صحفيون، وبلوغر، وصفحات رسمية، ومعرفات المحافظات والوزارات نفسها، وحتى الجهة التي أطلقت المدونة، أي وزارة الإعلام، التي أكدت عدة جهات أنها الداعم الرئيسي لمنصة “سيريا شفت”، صاحبة التقرير الذي لم يكن، للأسف، “استثناءً” في المشهد الإعلامي الحالي.
وفي بلد يعيش كل هذا القدر من الانقسام والخوف والعنف، يصبح تجاهل هذه التفاصيل خطيراً. لأن التنمر على قصير القامة اليوم، أو استخدام الإعاقة كإهانة سياسية، أو تصوير الأطفال كمواد عاطفية رخيصة، أو إهانة طوائف وإثنيات ومجموعات بشرية كاملة، لا يبقى مجرد “محتوى سيئ”، بل يتحول تدريجياً إلى ثقافة عامة تحدد من يستحق الاحترام والكرامة… ومن يمكن التضحية بكرامته داخل السخرية والسياسة والترند.
