الإرادة

اسمي آية وهذه حكايتي: الكتابة كمساحة نجاة وتمثيل

الخط

تولدت آية بلال في قرية كرتو بمحافظة طرطوس وهي تعاني من نقص أكسجة في الدماغ، ما أثّر على توازنها وحركتها منذ الطفولة. لم يكن التحدي طبيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا، إذ واجهت في المدرسة نظرات استغراب وتنمرًا مباشرًا وغير مباشر، ما جعل سنواتها الدراسية الأولى مرتبطة بمحاولة إثبات حقها في الوجود الطبيعي ضمن محيط غير مهيأ للاختلاف. شكّل دعم عائلتها عاملًا حاسمًا في تجاوز تلك المرحلة، حيث تعامل والداها مع تجربتها باعتبارها جزءًا من حياتها لا عائقًا لها. مع الوقت، وجدت آية في الكتابة مساحة للتعبير وإعادة فهم تجربتها، قبل أن تتجه نحو الإعلام كوسيلة أوسع لنقل قضايا أشخاص لا تصل أصواتهم بسهولة إلى الفضاء العام، خصوصًا من ذوي الإعاقة والفئات المهمشة. تتابع آية اليوم دراستها الجامعية وتعمل على تطوير مشروعها في الكتابة والإعلام، انطلاقًا من قناعة بأن المشكلة ليست في الاختلاف ذاته، بل في غياب البيئة الداعمة والتمثيل العادل. تجربتها تعكس واقع كثيرين يعيشون تحديات مشابهة، وتطرح أسئلة حول الوصول، والاندماج، ودور الإعلام في نقل هذه القضايا بعيدًا عن الصور النمطية أو الخطاب العاطفي السطحي.

 منصة إرادة- مادلين جليس

لم تكن آية بلال تبحث عن بطولة شخصية، ولا عن سردية “التغلّب على الإعاقة”. كل ما فعلته، على مدى سنوات، هو محاولة العيش بكرامة في مساحة لا تُصمَّم أصلًا لأشخاص يشبهونها.

ليست الإعاقة وحدها ما يصنع التحدي، بل الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليها. بين نظرات الشفقة وأحكام مسبقة قد تصل أحيانًا إلى ربط الاختلاف بالعقاب أو الخطأ، يكبر كثير من الأشخاص وهم مطالبون بتفسير أنفسهم قبل أن يُسمح لهم بأن يكونوا مجرد أفراد عاديين. قصة آية ليست استثنائية، لكنها نادرًا ما تُروى من الداخل.

وُلدت آية في قرية كرتو بمحافظة طرطوس وهي تعاني من نقص أكسجة في الدماغ، ترك أثره الواضح على توازنها وحركتها. لم يكن هذا التشخيص الطبي هو التحدي الأكبر بقدر ما كان ما تلاه: مدرسة غير مهيأة، وبيئة اجتماعية تراقب الاختلاف بدل أن تفهمه، ونظرة ثابتة تعتبر الإعاقة خللًا لا حالة إنسانية.

في الصفوف الأولى، لم يكن التنمر حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا من اليوم الدراسي. لم يكن صريحًا دائمًا، بل كان يظهر في الهمس، وفي الأسئلة غير المعلنة، وفي نظرات تضعها خارج الجماعة. تقول آية: «كنت أشعر أنني مطالَبة طوال الوقت بتبرير وجودي». وتضيف: «كان العالم الخارجي يحاصرني بتساؤلات لم أكن قادرة على الإجابة عنها، وأنا المعنية الأولى بها: كيف تعيش حياتها؟ ولماذا هي مختلفة عنا؟ مررت بفترة لم أتقبل فيها نفسي بسهولة، ولطالما تمنيت أن أكون مثل الآخرين، وأن أعيش حياة عادية دون أن أشعر بالخجل أو العزلة. لكن ذلك كله تغيّر بمرور الوقت عندما بدأت أدرك أن التنمر لم يكن سوى خوفهم من اختلافي عنهم».

في مقابل هذا العالم، كان هناك بيت مختلف. دعم أسري لم يتعامل مع آية بوصفها «حالة»، بل بوصفها ابنة لها الحق في الطموح. لم يكن هذا الدعم عاطفيًا فقط، بل عمليًا أيضًا: تشجيع على التعليم، وثقة بقدراتها، ورفض مبكر لفكرة الشفقة. تقول آية: «أمي كانت ترى فيَّ شيئًا خاصًا، وكانت تروي لكل من حولها عن تفوقي وذكائي، وتصر على أنني أكثر قوة مما أظن. كلمات أمي وأبي، وثقتهما، ومحبتهما، كانت بمثابة الزاد الذي لا أزال أعيش عليه حتى هذه اللحظة».

جاءت الكتابة كملاذ أولًا، ثم كخيار حياة. منذ الطفولة، كانت الكتب مكانًا أقل عداءً، وكانت اللغة أداة لإعادة ترتيب العالم. «في النصوص كنت أتحكم بالإيقاع، أختار متى أتكلم ومتى أصمت»، تشرح آية. مع الوقت تحوّل هذا الميل إلى مشروع: دراسة الأدب العربي، وكتابة القصص، ثم الاهتمام بالإعلام، والحصول على تدريب إعلامي، والبدء بخطوات أولى نحو بناء منصة خاصة بعنوان «: أشخاص وهوية»، أرادت من خلالها مشاركة قصص أشخاص لا يُسمع صوتهم غالبًا.

وتقول آية: «عندما قررت أن أكتب، لم يكن ذلك مجرد حلم، بل التزامًا بأن أعيش في عالمي الخاص، حيث يمكنني أن أغيّر الواقع بكلمات بسيطة. منذ طفولتي كان لدي شغف بالقصص، وكنت أرى في الكتب بوابتي السرية نحو عالم أشعر فيه بالأمان».

لا تقدّم آية نفسها بوصفها «صوت ذوي الإعاقة»، لكنها ترى في تجربتها مدخلًا لفهم أوسع لمسألة الصوت والتمثيل. «هناك أشخاص لا يُسمعون لأن الأدوات ليست متاحة لهم، أو لأن قصصهم لا تُعتبر أولوية»، تقول. من هنا جاء اهتمامها بالإعلام كمساحة عامة، لا كسرد ذاتي فقط، بل كأداة لطرح أسئلة حول الإقصاء والوصول ومن يملك حق الكلام.

اليوم تتابع آية دراستها الجامعية، وتعمل على تطوير تجربتها في الكتابة والإعلام. طموحها لا يُختصر في إصدار رواية أو تأسيس منصة، بل في تأثير هادئ ومستمر: إنتاج محتوى لا يتعامل مع الهشاشة بوصفها مادة استهلاكية، ولا مع الإعاقة كقصة إلهام جاهزة.

إلى جانب الكتابة، تعمل آية في إعطاء دروس خصوصية في اللغة العربية. يتيح لها هذا العمل تفاعلًا مباشرًا مع طلاب وأهالٍ من خلفيات مختلفة، وغالبًا ما تلاحظ كيف تتغير الصورة النمطية بمجرد التعارف الإنساني المباشر.

ومع ذلك، لا تزال بعض التصورات الاجتماعية قاسية. قبل فترة، كتب أحد الأشخاص تعليقًا على إحدى منشوراتها يوحي بأن إعاقتها ربما تكون «عقابًا إلهيًا». لم يكن التعليق صادمًا بقدر ما كان مؤشرًا على أفكار لا تزال تربط الإعاقة بالذنب بدل اعتبارها جزءًا من التنوع البشري.

تقول آية: «لا أرى نفسي نموذجًا استثنائيًا، بل شخصًا يحاول أن يشارك في فتح مساحة أوسع للنقاش حول الوصول والتمثيل والعدالة الاجتماعية. حلمي الأكبر أن أُحدث فارقًا في حياة الناس».

وعندما تُسأل عن اللون الذي يعبّر عن حياتها، تختار الموف. ليس كرمز شاعري فقط، بل كتوصيف لحالة وسطى بين الألم والتعافي، وبين الفقد وإعادة البناء. تقول: «الحياة ليست تتابعًا بسيطًا للأحداث، بل مزيج من الألوان المتنافرة؛ بعضها داكن وبعضها مضيء. هذا التناقض، رغم قسوته أحيانًا، هو ما يجعل الحياة ممكنة».

قصة آية بلال ليست استثناءً ولا نموذجًا مكتملًا. هي مسار فردي يكشف، بهدوء، كيف يمكن لشخص واحد أن يشق طريقه داخل منظومة لا تزال تتعامل مع الاختلاف كعبء. طريق لم يُرسم بالمعجزات، بل بالكلمات، وبالإصرار على أن يكون الصوت فعلًا عامًا لا امتيازًا.